اعتصام الحرية

اعتصام الحرية
ياعمال العالم و شعوبه المضطهدة اتحدوا

الأحد، 18 يوليو، 2010



مسيرة واعتصام عمال معمل النسيج بالمكناسي يدافون عن حقهم قي الشغل

مختار العياري

نظم اليوم 17 جويلية 2010 عمال معمل النسيج وعددهم يقارب المئة مسيرة عارمة جابوا بها الشوارع على مدى طول 3 كلم ثم اعتصموا بمقرّ المعتمدية منذ الساعة العاشرة من الصباح ضدّ التوجه الذي يسعى لغلق المؤسسة وضرب حقوق العمال أمام غموض وتسرب اخبار مفادها التفويت في المؤسسة لأحد المتنفذين.

امام تردّي هذا الوضع, حاول أحد العمال اطلاق صرخة درامية بإقدامه على محاولة الانتحار حيث قام بطعن نفسه بسكين ونقل على اثره الى المستشفى حيث لا يزال يوجد في حالة انعاش.

جميع العمال وعديد الهياكل النقابية بالمنطقة استنفرت بما في ذلك المكتب التنفيذي للإتحاد الجهوي للشغل بالمكناسي ويواصلون إلى حدّ كتابة هذا الإعلام الإعتصام داخل أسوار المعتمدية بالمكناسي.

وتشهد جهة المكناسي حالة من الإستياء والغضب والإحتقان نتيجة تفاقم وزتردّي الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية لعدد كبير من الشرائح الإجتماعية الكادحة والمسحوقة ولاتفاع مستوى حالة البطالة وتفشيها الكبير, يأتي هذا التحرّك اليوم في أعقاب تحرّك المزارعين في الأيام القليلة الماضية المطالبين بحقوقهم في الأرض التابعة لـ"تعاضدية النجاح" والذي انتهى إلى تقديم المزارعين للسلط المحلية والجهوية لمهلة بمدّة شهرين لإيجاد الحلول المناسبة للوضعية المتفاقمة.

عاشت نضالات الطبقة العاملة ضدّ الإستغلال, النصر للعمال المعتصمين

من أجل حركة عمالية مناضلة تدافع عن مصالح الكادحين وعن كرامتهم

عاشت نضالت الجماهير الشعبية من أجل التحرّر والإنعتاق

تسقط البيروقراطية النقابية التفريطية وأذنابها المتمعشين

17 جويلية 2010

مختار العياري

الجمعة، 16 يوليو، 2010

السلطات التونسية تسجن الصحفي الفاهم بوكدّوس رغم تعكّر حالته الصحية

عمدت السلطات التونسية صباح اليوم إلى إيقاف الصحفي الفاهم بوكدّوس، مراسل موقع البديل ومراسل قناة الحوار التونسي، عند تحوّله إلى مستشفى فرحات حشاد بسوسة للحصول على تقرير طبي حول أوضاعه الصحية. وأودعته إثر ذلك بالسجن المدني بقفصة لقضاء الحكم الصادر ضدّه بأربع سنوات سجنا على خلفية تغطيته لانتفاضة الشغل والحرية التي هزت الحوض المنجمي طيلة النصف الأوّل من سنة 2008.

وكانت محكمة الاستئناف بقفصة قد أقرّت يوم 6 جويلية الجاري الحكم الابتدائي في حق الفاهم بوكدّوس إثر جلسة صورية بدون مرافعة المحامين ورغم غياب المتهم الذي كان مقيما بالمستشفى لعلاج مرض الربو المزمن الذي يعاني منه.

إنّ حالة الفاهم بوكدّوس تستوجب مراقبة طبية وعلاجا مستمرّا، وإقامته بالسجن رغم تردّي صحّته تجعل حياته معرّضة إلى خطر محقق.

إننا في أسرة تحرير البديل إذ نجدّد تضامننا اللامشروط مع مراسلنا الفاهم بوكدّوس الذي يدفع اليوم ضريبة جرأته وتحمّله لواجباته الإعلامية، نحيّي حركة التعاطف الواسعة التي تلقاها قضيته العادلة في الداخل والخارج وندعو كافة الأصوات الحرة إلى تصعيد حركة التضامن معه من أجل إطلاق سراحه وتمتيعه بالعلاج اللازم في أقرب الآجال.

مراسلون بلا حدود :
عندما ينقلب العالم والعدالة التونسية رأساً على عقب
تونس 15.07.2010

في 15 تموز/يوليو 2010، أقدمت الشرطة التونسية على توقيف الصحافي فاهم بوقدوس حوالى الساعة التاسعة والنصف صباحاً في باحة مستشفى فرحات حشاد في سوسة بينما كان برفقة زوجته ونقل إلى مكان لا يزال مجهولاً.

تمت عملية الاعتقال هذه إثر مصادقة محكمة الاستئناف في قفصة في 6 تموز/يوليو 2010 على الحكم الصادر بحق الصحافي والقاضي بسجنه لمدة أربعة أعوام مع النفاذ. وقد صدر هذا الحكم بينما كان يرقد في المستشفى التي نقل إليها منذ الثالث من تموز/يوليو لمعاناته مشاكل في الجهاز التنفسي.

خرج الصحافي حوالى الساعة الثانية عشرة والنصف من يوم 14 تموز/يوليو من المستشفى وقضى الليلة عند بعض الأصدقاء في سوسة ليعود إلى المستشفى في 15 تموز/يوليو لاستعادة ملفه الطبي.

تلاحق السلطات التونسية فاهم بوقدوس منذ عامين لتغطيته تظاهرات شعبية انطلقت في حوض قفصة المنجمي في العام 2008. ومراسلون بلا حدود في غاية القلق عليه لأنه يعاني مشاكل في الجهاز التنفسي ولا يزال يخضع للعلاج الطبي مع الإشارة إلى أن الأطباء طلبوا منه إجراء فحوصات جديدة في 23 آب/أغسطس المقبل.

إن هذه القضية لتشكل مثلاً إضافياً يبيّن مدى تصلّب نظام الرئيس زين العابدين بن علي حيال الصحافيين المستقلين. فالسلطات مستعدة لانتهاك قواعد القضاء نفسه لتبلغ غايتها (راجع البيان الصحافي السابق).

منذ إعادة انتخاب الرئيس بن علي في تشرين الأول/أكتوبر 2009، عززت البلاد صورتها كدولة شرطة مع تعرّض الصحافيين والمدوّنين لتنكيل فعلي يومياً. ومؤخراً، تبنّى البرلمان مشروع قانون يهدف إلى تجريم نشاطات التوعية التي يقوم المدافعون عن حقوق الإنسان التونسيون بها مدّعماً بهذا الجهاز القانوني المكرّس لقمع الحريات الأساسية.

تاريخ القضية

في 5 كانون الثاني/يناير 2008، نشرت شركة فوسفات قفصة التي تعدّ أبرز مشغّلي العمال في منطقة تشهد ارتفاعاً في معدل البطالة نتائج التوظيف فيها. وإثر اعتبار سكان منطقة الرديف أن النتائج مزورة، قرروا التنديد بسياسة التوظيف التي تعتمدها الشركة والمحسوبية والفساد.

في 7 نيسان/أبريل 2008، تم اعتقال حوالى 30 من المضربين، مما أثار تظاهرات احتجاجية. وإذا بحملة قمع تنقض على الشباب والناشطين في المنطقة الذين أخذوا يصعّدون وتيرة التجمعات. وقتل ثلاثة من المتظاهرين الشباب مع الإشارة إلى أن اثنين منهم أرديا بالرصاص في 6 حزيران/يونيو 2008.

قام فاهم بوقدوس بتغطية هذه التظاهرات الشعبية لقناة الحوار التونسي. وهو يعمل منذ العام 2006 في هذه الفضائية الخاصة التي انطلقت في العام 2002 من فرنسا1.

تتولى مؤسسات إعلامية عربية مهمة إعادة بث الصور التي التقطها فاهم بوقدوس وعرضها على مواقع تبادل التسجيلات شأن يوتيوب وديلي موشن الخاضغين للرقابة في تونس. وفي 5 تموز/يوليو 2008، وخوفاً من تعرضه للاعتقال، قرر فاهم بوقدوس الاختباء.

في 4 كانون الأول/ديسمبر 2008، افتتحت "محاكمة الـ 38" المتهمين بالتآمر الجنائي من أجل ارتكاب جرائم ضد الأشخاص والممتلكات والتمرّد المسلح من تنظيم أكثر من عشرة أشخاص واضطرابات للنظام العام. وفي نهاية محاكمة 11 كانون الأول/ديسمبر، حكم على 33 شخصاً بعقوبات بالسجن تتراوح بين عامين مع وقف التنفيذ وعشر سنوات وشهر مع النفاذ. وأفرج عن خمسة أشخاص فيما صدر الحكم في غياب الدفاع واستجواب المتهمين.

أمّا فاهم بوقدوس فحكم عليه غيابياً في المحكمة الابتدائية في قفصة بالسجن لمدة ست سنوات بتهمة "تكوين وفاق إجرامي من أجل الاعتداء على الأشخاص والممتلكات" و"نشر أخبار من شأنها أن تخل بالنظام العام" على أساس المادتين 131 و121 من قانون العقوبات التونسي.

افتتحت محاكمة الاستئناف في 13 كانون الثاني/يناير 2009. وفي 5 شباط/فبراير 2009، صادقت محكمة الاستئناف على إدانة فاهم بوقدوس بالسجن لمدة ست سنوات مع النفاذ.

وفي 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، مثل الصحافي حراً في محكمة قفصة واضعاً حداً لحوالى 17 شهراً من التخفّي. وبما أن فاهم بوقدوس كان غائباً في أثناء المحاكمة، فقد اعترض على الحكم. وإذا بالإجراءات تعود إلى نقطة الصفر مع إبطال القرارات القانونية السابقة ضده.

في 13 كانون الثاني/يناير 2010، حكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات للوقائع نفسها المنسوبة إليه في كانون الأول/ديسمبر 2008. ومنذ ذلك الحين، تم تأجيل الجلسة غير مرة.

قضيتان على الطلب

في 14 تموز/يوليو 2010، أعلنت المحكمة الناحية في جندوبة تأجيل محاكمة مراسل راديو كلمة المولدي الزوابي إلى الرابع من آب/أغسطس المقبل.

في حين أن المولدي الزوابي كان يتوقع استدعاءه كمدعٍ في قضية قام فيها خليل معروفي المقرّب من أجهزة الشرطة بالاعتداء عليه، تلقى في 7 تموز/يوليو 2010 استدعاء للرد على اتهام "أعمال العنف المشددة والشتائم العامة" ضد المعتدي عليه.

في الأول من نيسان/أبريل 2010، تعرّض الصحافي للاعتداء أمام مقر الشرطة المركزي في جندوبة على يد خليل معروفي، مدير مقهى يقع مقابل قصر العدل في جندوبة (200 كلم غرب تونس).

روى المولدي الزوابي ما تعرّض له على النحو التالي: "خرج الرجل من السيارة وسألني ما إذا كنت أدعى المولدي الزوابي. وما لبثت أن أجبته بالإيجاب حتى انقض عليّ ضرباً وإهانات. فكسر نظارتي وانتزع أوراقي. أخذ كل شيء، بطاقة هويتي وبطاقتي الصحافية الصادرة عن الاتحاد الدولي للصحافيين وبطاقتي المصرفية وترخيص السوق ومسجل صوتي ووثائق شخصية أخرى".

تقدّم المولدي الزوابي بشكوى لدى النيابة العامة في جندوبة بعد أن عاينه طبيب منحه شهادة طبية تفيد بتعرّضه لجروح من جراء الاعتداء.

اليوم، أبطلت الشكوى لـ"عدم كفاية الأدلة" وأخذ الجاني يلاحقه على خلفية الوقائع التي وقع بنفسه ضحيتها.

في الأول من تموز/يوليو 2010، قام رجال شرطة تونسيون بلباس مدني بمهاجمة الصحافية زكية ضيفاوي العاملة في مواطنون في نانت بينما كانت تشارك في المنتدى العالمي لحقوق الإنسان. فتقدّمت بشكوى في الاعتداء. ولدى عودتها إلى تونس في 6 تموز/يوليو 2010، تعرضت لتفتيش جسدي مهين.

فى بيان صحافي مشترك صدر في 17 حزيران/يونيو 2010، سارعت مراسلون بلا حدود ومرصد حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وهو برنامج مشترك بين الاتحاد الدولي للجان حقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب والشبكة الأورو - متوسطية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش إلى إدانة تبنّي البرلمان التونسي في 15 حزيران/يونيو 2010 مشروع قانون يهدف إلى تجريم أنشطة التوعية التي يتولاها المدافعون عن حقوق الإنسان التونسيون (http://arabia.reporters-sans-frontieres.org/article.php3?id_article=31797).

في 8 تموز/يوليو 2010، تم توجيه رسالة إلى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي للفت انتباهه إلى عواقب تبنّي تعديل مماثل على النشاطات التي يقوم بها المدافعون عن حقوق الإنسان التونسيون بغية حماية حقوق الإنسان وتعزيزها، ومطالبته بإلغاء هذا التعديل.

الأربعاء، 14 يوليو، 2010

الفاهم بوكدوس يغادر المستشفى


اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض ألمنجمي


14 جويلية 2010


إعـــــــــــــــــــــــــــــــــــلام


غادر منذ قليل الصحفي الفاهم بوكدوس مستشفى فرحات حشاد بسوسة صحبة زوجته وبعض أصدقائه, أطباء السيد بوكدوس أكدوا بعد إجراء التحاليل اللازمة اليوم أن صحته لازالت تستوجب مزيد العلاج حيث لازالت حرارة جسمه مرتفعة بسبب تواجد جرثومة في جهازه التنفسي , كما طلبوا منه مواصلة تناول الدواء والرجوع يوم 23 أوت المقبل لمزيد التحاليل.
وكانت السيارة التي تقل السيد بوكدوس إلى منزل احد الأصدقاء لبعض الراحة مرفوقة بسيارات الأمن التي لازالت ترابط أمام المنزل وتخشى اللجنة الوطنية أن يقع إيقافه وإيداعه السجن على خلفية الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف والقاضي بسجنه أربع سنوات نافذة.
لذا فإننا نكرر ندائنا من اجل إيقاف الحكم الصادر ضده على اعتبار الإخلالات العديدة التي رافقت محاكمته والتي ساقتها اللجنة في بيانات سابقة وكذلك أكدها محامو الدفاع إثناء وبعد محاكمته . كما نجدد مطالبتنا الملحّة بغلق ملف محاكمات الحوض ألمنجمي وإصدار عفو يشمل كل المحاكمين.



اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض ألمنجمي

عن حضور حفل العرض الافتتاحي لمسرحية يحي يعيش :
يَحْيَ يَـعِيش أمْ
نَعِيشُ، نعيشُ ويَحْيَا الوَطـَنْ*؟
الجزء الأوّل

بقلم: رضا البركاتي

هي سنة برمّتها وانقضتْ.

انتهت السنة السياسية والانتخابوية والنقابية والقضائية والحقوقية والدراسية أيضا وانسدل الستار على الموسم الثقافي.

ومع نهاية شهر ماي المنصرم انتهت عروض "يحي يعيش" مسرحية الفاضل الجعايبي وجليلة بكّار. ولأنّ الموسم ينتهي بالحصاد والدِّرَاس فلا بدّ من السؤال عن الصّابة. ماذا بقي بالمحصلة من موسم 2010 في حقول الإبداع الثقافي عموما والمسرحي خصوصا؟

ثمّة عناوين جديدة أزهرت في الربيع الفائت وتقدّمت لمعرض الكتاب نذكر منها "رغم أنفك" لعبد الجبّار المدوري و"أبناء السحاب" لمحمّد الجابلّي و"عمّ حمــدة العتّـال" لمحمّد صالح فليس وغيرُها غيرُ قليل...

أمّا على خشبة المسرح فبعد "خمسون" [1] نذكر "وطن" [2] و"رحيل" [3] و"آخر ساعة" [4] و"الناس الأخرى" [5] وهي من الأعمال التي شدّ لعبها على الركح الاهتمام.

أعمال أدبية ومسرحية وسينمائية وتشكيلية هي مرآة عاكسة لصورة البلد ولاهتمامات النّاس وأحلامهم وانتظاراتهم لذلك تستوجب الوقوف عندها بالتحليل والاستقراء لتتبع حركة الإبداع والسؤال عن مواكبتها لحراك المجتمع ومدى إنصاتها لنبض المخاض وتسجيلها لأنفاس الجنين واستشرافها للآتي.

إذا، بعد "خمسون"، طلعت علينا دار "فاميليا" بـ"يحي يعيش".

لستُ أدري لماذا شعرت بشيء من الارتياح لبرمجة العروض بقاعة "المونديال" (هاني جوهرية سابقا) بنهج ابن خلدون. ربّما لأنّي لازلتُ أذكر آخر عرض حضرته بالمسرح البلدي وكيف تسرّب البرد إلى جسمي صاعدا من قدميّ اللتين تجمّدتا. ثمّ إنّ المسرح البلدي بطرازه الذي يذكّر بالنهضة الإيطالية ينتمي إلى المسارح الكلاسيكية ويذكّر بالإرث المعماري الاستعماري... كنت شغوفا به، مولعا بالدخول إلى فضائه الفخم، مبهورا بعلوّ سقفه واصطفاف شرفاته وإطلالة "الميزانين". نقوشه ومنحوتاته وتماثيله تُخْبركَ بأنّك في حضرة مِعمار يمثّل سلطةً هي سلطة الفنّ.

ولكنْ سلطة أيِّ فنٍّ؟ فنُّ من؟

سلطة الفنّ كانت في العشريات الأولى (الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات) بقبضة الدولة "الوطنية الفتيّة"... واليوم، وتحت مظلة العولمة المتوحّشة، تراجع دور القطاع العام واستحوذ عليها التجار الذين تقاسموا الفنون قطعا مرقّمة تشظتْ وانتشرت في سوق البلد – على غرار السُّوق العالمية - سلعا باهتة خاوية لاهثة وراء الربح تتجاور وتتنافس مع الأكلات الخفيفة التي لا تُسْمِن ولا تُغْني من جوع. وهي ألوانٌ فاقعة قبيحة وروائحُ فوّاحةٌ مفضوحة وإيقاعات هزّازة شطّاحة وأصوات نافرة ناشزة وكلمات هابطة مائعة.

ولكنَّ الحركةَ الثقافية في بلادنا تحاول جاهدةً أن تقفَ، أن تفكَّ القيودَ، أن تدفعَ شمسَ الإبداع الفنّي من وراء الحُجُبِ، أن تُطلق الكلمةَ الصادقة، أنْ ترسمَ الصّورة الحيّة، أنْ تُنْشدَ اللّحنَ الخالد.

والفنّ المسرحي في بلادنا تأصّل وله جمعياته وناسه ورجاله ونساؤه أيضا بالتأكيد وإن انحنى منه العودُ الغضّ الطري في بعض الحالات فإنّه لم ينكسرْ – ولن ينكسرَ – وهو في غابة الفنون روض ما انفكّ يطرح ثماره المتنوعة ألوانا وأذواقا...

و"المسرح الجديد" شجرة أصلها ثابت في الثرى وفرعها فارع في الثريا. وهو مدرسة على الخشبة ومذهب في المجال. ودار "فاميليا" اسم وحسب ونسب. والفاضل وجليلة وفاطمة أعلام على رؤوسهم نار.

لقد عوّدنا "المسرح الجديد" برصد حال المجتمع والغوص في الذات الإنسانية مهما تنوّعت واختلفت المواضيع المطروحة من مسرحية إلى أخرى منذ "التحقيق" [6] و"العرس" [7] فـ"غسّالة النوادر" [8] التي نزلتْ قربا من سماء الغيم وانطلقت سيولا من الكلام فعرّت المدفون وبشّرت بالميلاد الجديد في خريف الموت. ثمّ "عرب" [9] وقد ولع العُرب بالحرب بلبنان وغير لبنان وتبعتها "فاميليا" [10] وعلى إثرها "عشّاق المقهى المهجور" [11] وصولا إلى "جنون" [12] وأخيرا ومع "خمسون" [13] وقف الشعب يحصي ما حصد بعد نصف قرن من التعمية والتكميم والتعذيب.

ولقد كان كلّ عمل مناسبة للبحث في وسائل التعبير الركحي الملائمة وتجريب أشكال اللعب المسرحي القادرة على التبليغ واستنباط خيوط تواصل جديدة بين قطبي الفعل المسرحي: الممثلون والجمهور.

لقد عوّدتنا الجماعة، في كلّ مرّة، على الجرأة في الطرح والقوّة في الطرق والفنيات في العرض.

واليوم، وبعد "خمسون" ها هو "يحي يعيش".

فما هي مسرحية "يحي يعيش"، "أمنيزيا" [14]؟ أهي مسرحية سياسية أم نفسيّة؟ هل هي فحص دقيق لشخصية الوزير الأوّل المخلوع أم هي تشريح لماكينة السلطة؟ من هو يحي يعيش؟ ومن هي الشخصيات المحيطة به وماذا تمثل؟ كيف تجلّتْ الساحة السياسية ومكوّناتها في هذه المسرحية؟

1. الدخلة:
مدخل الفرجــة مدخل القراءة.

لمّا ولجنا القاعة، قاعة السينما والمسرح، لم نر الشاشة البيضاء العملاقة، شاشة الأحلام.

تركتِ الشاشةُ المجال للركح.

على مثل هذا الركح بمسرح الألمب [15] تُنجَزُ الأعمالُ الجليلة والأفعالُ الخالدة والصراعات الكبرى، صراعات الأبطال ضدّ الآلهة والأقدار من أجل تحرير الإنسان وتقرير المصير.

كان الركح فارغا.

الركح فضاء خالٍ من أيّ عنصر من عناصر الديكور. ولا يوجد ستار. كلّ ما في الأمر: سواد. اللون الأسود يسود. تراه في أرضية الخشبة، في الجدار الخلفي، أي في ظهيرة الركح وفي جانبيه اللذين يجسّدان عمقه، وفي جناحيه أي جانبيه على يسار ويمين عرض القاعة حيث بضع درجات في كلّ ناحية تسمح بالصعود إلى الخشبة.

شدّ انتباهي السواد والفراغ اللذان يؤثثان الركح.

ولكنْ ألهَتْني الحركةُ في القاعة وتوافُدُ الضُّيوف والتّطلعُ إلى الوافدين على حفل الافتتاح وتحيّة هذا وفرحة اللقاء بتلك وتهنئة قاصّ بمولوده الجديد... ألهاني كلّ هذا بعض الوقتِ حتى حان الوقتُ.

لم نسمع تلك الطرقات على أرضية الركح إيذانا ببداية العرض.

تقدّم السيد الحبيب بن الهادي، مدير الإنتاج بدار "فاميليا"، ورحّب بالحضور وطلب بكلّ أدب أن يأخذ كلّ مكانه معلنا بداية العرض.

وتحرك كلٌّ في مقعده وعدّل من جِلْسته وبدأ الهدوءُ يعُمُّ القاعةَ والسُّكون يسود وشخَصَت العيون أمامها تنتظر ولمّا امتدّتْ اللحظات وطالتْ صارت العين تَبْحث عن شيء، عن علامة، عن إشارة في الفضاء الركحي الأسود. لا شيْءَ. البؤْرةُ السّوداء سوداءُ، ساكنةٌ، غامضة، مبهمة، مغلقة.

تمطّى الزمن. طال الانتظار.

هي لحظة واحدة وطالتْ.

هل هذا مندرِجٌ في المسرحية؟ هل تعطّل الجماعة وهذا مجرّد تأخير أم بدأ العرض وهذه لوحة الافتتاح؟

لا أظنّ الأمر تأخيرا أو تقصيرا من جماعة المسرح الجديد المدرسة العريقة، الجديّة، التي اكتسبت الاحتراف من زمان وربّانها مولَعٌ بالتوغّل في المجاهل وبالتجريب في بحور الفنون الركحية.

انتبهي أيّتها العين وانْظرِي. وتَيَقَّظْ يا راصد الجمال المنشود وتَهَجَّأْ يا طالبَ الفنّ المفقود.

ما المقصود؟ الركح، مسرح الأحداث وخشبة العرض بؤرة سوداء. ولماذا امتداد لحظة الانتظار، لحظة البداية، لحظة الهدوء هذه أمام هذه البؤرة السوداء؟

لعلّ الدخلة ستكون بالإنارة باللعب على أوتار فنّ الأضواء... نظرتُ إلى سقف الركح فإذا الفوانيسُ العديدة المعلقة سوداءُ هي أيضا بعضها يرسل ضوء عاديا، عاديا جدّا، وأغلبها مغمض الأجفان. الضّوء لا يُوجَّهُ إلى عنصر من الديكور إذ لا ديكور في الفضاء الركحي. ولا يمسح منطقة. لا يحدّد بقعة. بل ظلّ الضوء المرسل بهرة معلقة في هذا الكهف المظلم يحاول الانتشار في المجال ولكنّ السَّواد يَصُدُّه. صراع معلّق بين النّور والعَمَى، بين ضوْء فجرٍ جديد وظلام ليل بهيم. لكأنّه السَّحَرُ.. هل هي لحظة الخلق الأولى في سفر التكوين؟ وامتدّتْ العينُ إلى فوانيس القاعة فوجدتْ القاعةَ مضاءة إضاءة عادية جدّا بل لعلّها أقلّ من العادي نورا وإشعاعا. لكأنّ إنارتيْ القاعة والركح إنارة واحدة لفضاء واحد.

هل هذا جزء من المسرحية؟ هل هو داخل في العرض؟

لعلّه مشهد البداية أو لوحة الافتتاح.

البداية. مشهد يلفّه الهدوء والسكون والصمت والسواد. لا حركة، لا صوْتَ، لا شخصية لا ديكور لا لعب بالأضواء.

ما المقصد؟

وأحسَسْتُ تململا خلفي وسمعتُ همسا هنا وهناك فحسِبْتُ المللَ غزا الحضورَ والحيرةَ تفشّتْ في القاعة. نظرتُ إلى جارتي، وما كنتُ أراها أو أشعر بوجودها، فقالت همسا بعيْنيْها: "انظرْ" وأشارت بوجهها الذي امتدّ والتفتتْ إلى الخلف.

فالتفتُّ.

رأيتُ شخصا في كسوة سوداء في هيأةٍ غريبة، إنّه ليس متفرّجا. اتخذ وجهُه سحنةً ما ثابتة، يمشي ببطء وينظر في الفراغ. وإذا بثان يتبعه بنفس الكسوةِ السوداء والنظرةِ والمِشيَة.

ثمّ انتبهتُ إلى أنّ جانبا من الجمهور الذي قُبَالتي ينظر مشدوها إلى جانب القاعة الثاني، يسار القاعة، الذي صار خلفي. فالتفتّ وإذا بثلاث شخوص أخرى بنفس اللون الأسود والهيأة تتقدّم الهوينى خطوةً فخطوة. تخالُ أقدامهم لا تلمس الأرض. وكأنّهم يمشون على قطن السَّحاب. نظراتهم شاخصة. كلّ واحد تعلّقتْ نظرته بنقطة في الفضاء انشدّ إليها وقد اكتسى وجهه تعبيرة واحدة ثابتة لا تتغيّر، أو هو ينظر إلى الجمهور. يتفحّص الوجوه. يمسح القاعة بنظرته الغائمة السّاهمة. يتقدّم شبحا أسود وقسمات وجهه جامدة لستَ تدري عمّا تعبّر. شبح خارج من ليل، من حلم، من ذاكرة، من زمن ما، من عالم آخر...

ولحق بهم رابع ثمّ خامس وامتدّ صفّ الشخوص وكل واحد قد اتخذّ هيئة وظلّ شاخصا إلى الجمهور يسبح واهما بين وجوه الجمهور. وسمعت حولي من يهمس: "جليلة في الناحية الأخرى". والتفت إلى يمين القاعة، فوجدت نفس الصفّ تقريبا: أربعة أو خمسة ممثلين يتقدّمون ونفس المسافة بينهم وقد بلغ أوّلهم الصفوف الأولى من المقاعد. كان أوّلهم يتقدّم في نفس الهيئة بنفس الخطوة وعينه المشدودة إلى نقطة وعلى وجهه قناعه الذي رسمه بتقاسيم وظهر به.

كان أوّلهم، وهو يقترب من المدرج، ملتفتا إلى الخلف، إلى الجمهور، في حين أنّ جسمه ظلّ متوجّها إلى الأمام، إلى الركح، وهو يمشي القهقرى ويتبعه من كان بعده بنفس الانشداد إلى الجمهور يتفحّص الوجوه ووجهُه بنفس التعبيرة.

وكذلك كان الصفّ الآخر في الطرف الآخر للقاعة والصفّ الثالث في وسط القاعة.

ثلاثة خطوط ارتسمتْ شيئا فشيئا. تتقدّم في بطء.. بطيء. تطلَع من خلفية القاعة، من الجمهور، من خلفه من ضلعه الأيمن ومن ضلعه الأيسر ومن قلبه. والآن، من بين يديه، يبدأ صعود الدرجات عتبةً عتبة، شبحا فشبحا وتغزو هذه الأشباح الطالعة من رحم القاعة خشبة المسرح والصَّمْت دوما يسود والدهشة تتملكنا أكثر والحيرة تقتاتُ منّا.

هذا الجمهور قد صار مشدودا إلى الركح. بعد أن كان إلى الخلف ملتفتا وإلى جانبيه منتبها.

هذه الدخلة وما حفّ بها من إنارة وفراغ الركح واللون الأسود والصّمت وغياب الموسيقى... الدخلة ومجموع العناصر الفنيّة تؤلف معنى.

ولا يمكن أن نفهم إلاّ كون هذا العرض طالع من الجمهور. وهذه الحكاية خارجة من ذاكرة الجمهور، من الذاكرة الجماعية.

وهمست جارتي: "أليستْ هذه "فازة" "بريشتية" [16]؟"

2. الذَّاكرة:
إنّمَا جَماعةٌ بلا ذاكرةٍ قطِيعٌ يُقَادُ إلى المَسْلَخ.

صرنا نتابع تحرُّك الشخوص على الفضاء الركحي، وهي تموج كما الأشباح التائهة كما الأفكار السابحة.

وراحت الجماعة تتحرّك في الفضاء الركحي فتشغله. صارت الجماعة تتحرّك كما الذرّات في معادلة كيميائية، وكأنّهم خلية نحل عند باب المنحل.

ثمّ بدأ الانسحاب من الركح عبر الجانبين، على اليمين واليسار بطريقة مثيرة للانتباه: يمضي الواحد منهم نحو الجدار الأسود، الأظلم وهو يسير إلى الوراء بنفس تلك الهيئة النائمة الحالمة... تعاودك صورة أو فكرة الماشي في النوم وأنت تنظر إلى الشبح الأسود يمشي القهقرى ويقترب الهوينى من جدار الظلام فيغوص فيه تدريجيا. يبتلعه الظلام شيئا فشيئا حتى يغيب كلّيا.

ولمّا غاب آخرهم، بدا أوّلهم، من الناحية الأخرى وبيديه كرسي أبيض. يتقدّم والكرسي أمامه وكأنّه سيقدّمه لأحد. ويتبعه كلّ فريق الممثلات والممثّلين. يخرجون من طيّات الظلام، من هنا وهناك وكلّ واحد يرفع كرسيّه أمامه. وتصطفّ الكراسي بالعرض، في صدارة الركح، قبالة الجمهور، في صفّ مستقيم، منتظّم، ويجلس كلّ على كرسيّه. وسرعان ما يدخل كلّ واحد، أو واحدة، منهم في سِنَةٍ من النوم.

هيئات. آهات. أنّات. شخير. أجسام تتلوّى. أعضاء تتمطى. أياد تمتدّ في الفضاء كأنّها تحاول القبض على شيء معلّق. أحلام هاربة. كلماتٌ تفلتُ من عُقال عقْلٍ نائم فتخرج مبهمة مرّةً مُفصِحةً مرّة أُخرى عن أمنيةٍ، عن رغبة، عن كبتٍ، ممجوجةً بين أشداق فمٍ يتلذّذُ حلاوة النعاس. وقد تستحيل النعسة عند هذا أو تلك حالةَ توجّس وخوفٍ فترى الأعضاء تنكمشُ والرأسَ تنخفضُ واليديْن تمتدُّ دافعةً وترتدُّ مُدافِعة.

ثمّ قاموا تباعا. وراحوا يحلمون يتحرّكون. يتواصلون وهم نائمون.

وفجأة دويّ انفجار.

إنّه انفجار طلق ناري.

ويُحطم انفجارُ الطلقِ الناري جدارَ الصمت المطبق على المشهد. ويهتزّ كلّ واحد من الجمهور ويدكّه الدَّويُّ في مقعده دكّا. وعلى الركح تعمّ حالة فزع مرعب. ويجري كلٌّ في كلِّ اتجاه. ويتتالى دويّ زخّ الطلق الناري. وتتهاوى الأجساد وتتلوّى وتحاول النهوض وتسقط ثانية. والطلق يقتنص كلّ من يتحرّك وكلّ من يظلّ واقفا. ويلاحق كلّ من يحاول الهروب ولا مفرَّ. ويطول المشهد. ولا ينقطع الطلق بل تقلّ وتيرته بقدر ما تقلّ حركة الأجساد. ويسقط آخر من كان واقفا. ويتلوّى جسد هناك فتأتيه طلقة منفردة. وتحاول رأس أن تنهض فترديها طلقة مصفرة مديدة. تتحركّ جثة فتجهز عليها طلقة خاصة.

وتهيّأ لنا، نحن الشهود، أنّ المقصود أحداث 26 جانفي 1978.

وتعود الحركة. وتعود الحياة. وتنضاف الموسيقى.

وفجأة الفجيعة الثانية. ويُلعْلِع الرصاص ثانية. نفس المشهد يتكرّر. هل هي أحداث انتفاضة الخبز في الثالث من جانفي 1984. أم هي أحداث قفصة الأخيرة ذات الهدنة شبه المعلّقة؟

كانت أحلاما تتمطّى بمعسول النعاس. وإذا بها أحلام مزعجة بل كابوس مرعب.

وكاد النسيان يَطْويها. وها هو الفنّ المسرحي يُجليها فَيُحْيِيها.

إنّ جماعةً بلا ذاكرة هي قطيع يُقاد إلى المسلخ.

فما الحكاية؟

3. الحكاية:
حكاية يحي يعيش.

يحي يعيش هو وزير أوّل أُقيل من منصبه. ويعلم بإقالته عن طريق نشرة الأنباء المسائية. ثمّ يتعرّض لجملة من التضييقات: يمنع من السفر. تمنع عليه الزيارات. يتخلى عنه صهره. ثمّ تحرق مكتبته وقد أخذه النعاس أثناء المطالعة. يتخلّى عنه محاميه الذي هو صنيعته. ويعيش في المستشفى في عزلة تامة حيث البوليس متواجد ليلا نهارا دون انقطاع. وتتعاون الإدارة ويمنع على أيّ كان أن يكلّمه أو يتّصل به ما عدا محرز الممرّض أو فريق الأطباء. ووُجِدَ من بينهم مَن نسِيَ قَسَمَ... وقبِلَ أن يلعبَ الدورَ الذي طُلِبَ منه فيأخُذُ الفحص الطبي شكلَ وطابعَ الاستنطاق البوليسي... والمسألة: هل كان حريق المكتبة محاولة انتحار أم محاولة اغتيال أم مجرد حادث؟

ثمّ إنّ الطبيب الخاص لسي يحي قَبِلَ أن يتعاون معـ(هم) من أجل المصلحة العامة ولتجنيب الوطن القلاقل وبفضل تقديمه الشهائد الطبيّة المطلوبة فاز بحقيبة وزارة الصحة...

إذا تدور المسرحية حول الشخصية المحورية.

يحي يعيش تجلى بمثابة الشمس. هو المركز والكلّ من حوله في مداره يدورون.

إذا من حوله؟ وماذا حوله؟ وكيف وقع بناء الحكاية ركحيا وعرضها على الخشبة؟

الجزء الثاني والأخير

(*) نعيش نعيش ويحيا الوطن، هي الصيغة المقترحة من الشاعر أولاد أحمد لتحوير مقطع من نشيد الثورة: نموت نموت ويحيا الوطن. وجاء الاقتراح بدار الاتحاد العام التونسي للشغل أثناء أزمة 1985، لمّا حاصر البوليس والمليشيا دار الاتحاد. ورفع النقابيون النشيد، نشيد الثورة موقّعا بإرادة الحياة...

يحي يعيش

سيناريو ودراماتورجي ونصّ جليلة بكّار والفاضل الجعايبي
إخراج الفاضل الجعايبي
سينوغرافيا قيس رستم
موسيقى جيرار هوربات (آرت زويد)
إنارة الفاضل الجعايبي
ملابس أنيسة البديري
مع جليلة بكّار. فاطمة بن سعيدان. صباح بوزويتة. رمزي عزيّز. معزّ المرابط. لبنى مليكة. بسمة العشّي. كريم الكافي. رياض الحمدي. خالد بوزيد. محمّد علي القلعي.
مساعدة مخرج وتوضيب صوت نرجس بن عمّار
توضيب إنارة نعيم الزغّاب
توضيب الملابس جليلة المداني
توضيب الإنتاج نزهة بن محمّد
إدارة الإنتاج الحبيب بالهادي
إنتاج فاميليا للإنتاج
2010 المسرح الوطني بون ليو آنسي. المركز الوطني للمسرح بوردو. المركز الوطني للمسرح ليموج والمركز الوطني للمسرح إيفري.
ومساهمة معهد التّعاون الفرنسي
بمساندة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث.

مع كلّ الشكر لسهام بلخوجة وطاقم فضاء "ناس الفنّ" تونس وفريق فضاء المونديال.

[1] خمسون هي المسرحية الأخيرة من إنتاج دار فاميليا، سنة 2006، خمسون سنة بعد الاستقلال، عرضت خارج تونس ثمّ سمح لها بملاقاة الجمهور بتونس بعد حوالي سنتين.

[2] وطن: مسرحية أنجزت في إطار مشروع التخرج بالمعهد العالي للفنون الدرامية بتونس وقدّمت في جوان 2009، وهي بإمضاء: سهام عقيل ومجموعة من الطلبة.

[3] رحيل: مسرحية من إخراج عبد الفتاح الكامل فرقة المزّونة عرضت بضع مرّات بتونس وفي بعض الجهات لاقت نجاحا، إذ فازت ببعض الجوئز، وقبولا حسنا في صفوف الجمهور.

[4] آخر ساعة: مسرحية عزالدين قنّون وليلى طوبال، إنتاج مسرح الحمراء، 2010.

[5] الناس الأخرى: مسرحية توفيق الجبالي، إنتاج مسرح التياترو، 2010.

[6] التحقيق : مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.

[7] العرس: مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.

[8] غسّالة النوادر : مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.

[9] عرب: مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.

[10] فاميليا: مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج

[11] عشّاق المقهى المهجور

[12] جنون : مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج

[13] خمسون: مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج

[14] أمنيزيا مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج

[15] الأولمب، جبل الأولمب،

[16] بريشتية: نسبة لبريشت، برتولد بريشت أو بريخت، (1898 – 1956)، رجل مسرح ألماني، تأليفا وإخراجا ونقدا وتنظيرا وشاعر واجه النازية في الثلاثينات والأربعينات ، فرّ إلى فنلادة ولمّا غزتها القوات النازية لجأ إلى أمريكا حيث حوكم واعتبر غير مرغوب فيه. عاد إلى موطنه، بعد نهاية الحرب، وعاش بألمانيا الشرقية حيث واصل نضاله الفكري والثقافي.

قراءة في مسرحية يحيى يعيش للفاضل الجعايبي :
يَحْيَ يَـعِيش أمْ
نَعِيشُ، نعيشُ ويَحْيَا الوَطـَنْ؟
الجزء الثاني والأخير

بقلم: رضا البركاتي

للتذكير كنّا قد وضعنا، في العدد الفارط، في الجزء الأوّل من هذا المقال، مسرحيةَ يحيى يعيش في إطارها العام، في خضمّ الحراك الثقافي، وفي إطارها الخاص، في الساحة المسرحية وفي المسار الإبداعي للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، في المسرح الجديد ودار فاميليا.

ثمّ دخلنا المسرحية. وتوقفنا مطوّلا مع الدخلة على قدَر طولها وبأناة على قدَر بُطْئها وبهدوء على قدر صمتها واعتبرناها مدخلا للقراءة ورأينا فيها نقْشةً بريشتية.

لقد غاب الحوار في الجزء الأوّل من المسرحية واعتمد التعبيرُ أساسا على الممثلين وهيئاتهم وحركاتهم وظهورهم من بين صفوف الجمهور كما شدّنا عُرْي الركح وخُلُوِّه من الديكور... ورأينا في كلّ ذلك إشارة واضحة لكون الحكاية نابعة من الجمهور، طالعة من الذاكرة الجماعية... بل أنّ القاعة والركح فضاء واحد من حيث الاستغلال في الأداء المسرحي والإنارة كما أنّ الجمهور والممثلين واحد فالممثلون من الجمهور والجمهور يلعب دور الحضور ودور الشاهد ومنه يطلع الممثلون... فهو صاحب الحكاية التي تخرج من صفوفه، من ذاكرته، من أحلامه، من...

وأخيرا عرضنا تلخيصا موجزا لحكاية يحيى يعيش الوزير الأوّل الذي عُزِل من منصبه وحُوصِر ومُنِعَ من السفر وكان ضحيةً لحريق شبّ بمكتبته... لا ندري إن كان محاولة اغتيال أو محاولة انتحار أو مجرد حادث.

لا أخفي أنّي عند هذا الحدّ تملّكتني الحيرة من هذه المسرحية.

لم تزرع المسرحية فيَّ حيرة بشأن موضوع ما، مسألة ما، قضيّة ما ولكنّي وجدتُني في حيرة بشأن المسرحية ذاتها. أشعر بقلق تجاهها. هناك أمر ليس في محلّه. لكأنّ بيني وبين المسرحية وعد ولم يقع الإيفاء به. أو بيني وبين مخرجها، مؤلفها، صاحبها، فردا كان أو جماعة، عقد ما ولم يقع احترامه.

سألت حولي عن الرأي في المسرحية، عن الانطباع الحاصل، عن القراءة، عن.. الفهم وغالبا ما يسأل الناس بعضهم عن أعمال المسرح الجديد ودار فاميليا: هل فهمتَ المسرحية؟

وانتظرتُ الأصداء لعلّ وعسى ينجلي المستور ويتجلّى المغمور تحت الغموض المركب بتقنيات الفنون الركحية.

ثمّ عدْتُ لمشاهدة المسرحية ثانية قبل أن ينتهي برنامج عرضها وتبيّن لي في الأثناء أنّ الذين عادوا لمعاودة الفرجة ليسوا قلّة...

هناك من عاد مبهورا مسحورا ولعلّ دور الفنّ عنده ووظيفته وفعله يتوقف عند المتعة والفتنة والافتتان والسحر والانبهار من ناحية الشكل ومن ناحية المضمون يكتفي بالكليشيات التي تفضح عيوب الواقع وتشهر بالفعائل وتكشف العمائل سواء كان ذلك للترويح عن النفس وتفريج الكربة من نكد اليومي الرازح على الكاهل أو لإضفاء طابع النقد الاجتماعي والسياسي على العمل الفني فينهض مشحونا بالجرأة...

وهنالك من عاد ليراجع درسه ويفهم نصّه ويرتّب حكايته وينظّم مفاصلها ويتعرّف الأشخاص الفواعل ويحدّد الأحداث الكبرى ويرسم خطّ الصراع ويفصل الزمن الماضي عن حاضر الزمن السّاري وعن زمن الخيال والحلم والارتداد و.. الهذيان أيضا.

ولكنّي عدتُ لأتثبت كيف تخرج الذاكرة من التلفزة الرسمية.
عُدْتُ لأبحثَ عن حلقة مفقودة، عمّا ليس فيما هو معلن، منشور، معروض.
عدتُ لأتبيّن بعض الأشباح وأستجلي صورتها.
عدت لأسأل عن زمن الاستشراف.

أخبار السلطة في التلفزة وذاكرة الناس في قلوب الناس.

إذن تلك هي الحكاية.

بدأت الحكاية بـ: "عيد ميلاد سعيد" وانتهت بـ:"عيد ميلاد سعيد". بدأت دقيقتين أو ثلاث قبيل الثامنة مساء موعد نشرة الأنباء بالتلفزة الوطنية. وأوّل ما نَبسَتْ به شفةٌ كان السؤال عن الوقت.

وانتهت بالسؤال عن الوقت، في الدقيقة التاسعة والخمسين بعد السابعة.

سي يحي ظهر واحتجّ وارتجّ وتكلّم وعبّر عن موقفه ودافع عن سياسته وتصوّراته واختياراته فوضّح مبادئه وبيّن صدقه وولاءه للوطن وطرّز دفاعه بألوان المقولات المنتقاة من المعجم الديني التي جاءت بصوت مُفَخَّمٍ مُنَغَّمٍ كأنّه صادر من طبقة ما بين السّماء والأرض فأضفى قدسية رسمية على خطاب رجل رسمي خارج السلطة لا ينفكّ يؤكّد كونه من السلطة وإليها...

وقبالة سي يحي السلطة. فكيف تجلّتْ السلطة؟

السلطة لم تظهر. لم تتجسّد في شخصيّة تمثّلها. لم تتجلّ بوضوح ولكن وَقَعَ التعبير عنها بضمير الغائب (هم). هي غائبة بل هي هامة هلامية لم تتجلّ ركحيا ولكنّها كانت حاضرة بثقلٍ بفعلها الذي يتلخص في عزل سي يحيى ومراقبته ومنع كلّ اتصال به وصدّ كلّ من ينوي الاهتمام بالشأن العام وذلك عبر أدواتها: البوليس حول داره وفي المطار وفي المستشفى.. في كلّ مكان والمليشيا التي دخلت البيوت وقسّمت العائلات فابن محرز الممرّض مليشيا... وكذلك الإدارة وقد غُيِّبَ القانونُ ودِيسَتْ المؤسسات فأصبحت الإدارة جهازا يَمْتَثِلُ لتعليمات البوليس ويهاب المليشيا، كذلك كان شأن إدارة المستشفى. فالمتفرج يشعر بحضورها الخانق يزداد خنقا كلّما تقدّمتْ الحكاية وزاد التضييق كبْسًا حول سي يحي.

هذا سي يحيى.
وهذه السلطة.
لوحة سوداء. كابوس. وسي يحيى يرفض أن يُدْلِيَ بتصريح ولا ينفكّ يؤكّدُ أنّه من السلطة وإليها.

لقد استمتعنا بتلك الدخلة الرائعة التي دامت أكثر من نصف ساعة (والمسرحية تدوم حواليْ ساعتين). كان الأداء رائعا والفنيات الركحية غاية في الجمال إذْ جمعتْ بين قِلّة الوسائل وبساطة الطرُق وقوّة الدلالة وعمق المعنى ففتحت الركح على القاعة وأدمجتْ القاعة في الركح وولّدت الممثلين من الجمهور وقالت لنا الدخلةُ بصريح العبارة الركحية أنّ الحكاية منّا وإلينا وعنّا من ذاكرتنا الجماعية وعن همّنا العام المشترك.

هذا هو الوعد. هذا هو العقد.

وعد معلن بالفنيات الركحية.
عقد مبرم بالتقنيات البريشتية [1].

وإذا بها حكاية سلطة عن السلطة في صفوف السلطة والقادح خبر عزل في التلفزة، تلفزة السلطة.

لذلك قالت العُقَلاءُ: أخبار السلطة في التلفزة وذاكرة الناس في قلوب الناس.

استحضار الغائب وتغييب الحاضر.

إنّ العالم الذي أنشأته المسرحية ميكرو [2] مجتمع به الوزير والطبيبة والمحامي ومضيّفة المطار والصحفية والممرضون والعاملات أيضا. وبه إشكال سياسي.

فما هي صورة العمّال والعاملات ومن إليهم في المجال النقابي والسياسي؟

قدّمت الفرقة لوحات جميلة تذكّر بتلك اللوحات التي كانت تبدع فيها بنات وأولاد تونس الذين كانت تهزّهم في الستينات فورة "الاستقلال" وحماسة الوطنية وبناء الدولة الجديدة وقد وفدت علينا تلك الألعاب مع أفواج من الأطباء من أوروبا الشرقية التي كانت تتغنّى بانتصار الشّعب على الفاشية والنازية وصعود الشغيلة إلى دفّة الحكم والبناء الاشتراكي.

ذكّرني المشهد بتلك الحركات الجماعية. فطفا الماضي البهيّ ليخفف من وطأة الحاضر الرديء. وغابت الأشرطة الحمراء والعصي الخفيفة الملوّنة التي يلوّح بها الشبان في الهواء في زهو، والأطواق (الدوائر البلاستيكية) التي ترقص بها البنات، وطلعت أدوات عاملات التنظيف... فتحركت المجموعة في الفضاء الركحي طولا وعرضا في صفوف متلاحقةٍ داخلةً خارجة والظهورُ مَحْنِية والرؤوسُ مُطأطأة والأيادي ممدودة والأقدام مُهرولة والأسطل تَهتزّ وتنتفضُ كدلاء بئرٍ نَضَبَ ماؤها والمكانس تُرْفَعُ وتُخْفَضُ كرايات تَنْتصِرُ وتَنْهزِمُ.

وفي مشهد لاحق خرجت صباح بوزويتة لتقرأ باسم زميلاتها العاملات في حضرة سي يحي عريضة تصف حالتهنّ وظروف العمل ومعاناتهنّ اليومية وتطلب من سي يحيى التدخل لترسيم عدد منهنّ...

لقد كان نصّا جميلا مرتّبا ترتيبا حسنا عجيبا وكان أداؤه بديعا... ولكنّه ماذا يفيد في السياق العام؟

لكأنّ الجماعة لا تفهم أنّه انتهى سياسيا وليس له أيّ قدرة أو دخل أو فعل.

أو هل المقصود أنّ هؤلاء يفهمون أنّه من السلطة وإلى السلطة وأنّه، ولعلّه، وكأنّه، عائد إلى موقعه وما هذا إلاّ مجرد مرور عابر قرب الشعب الكريم وسوف يطفو ثانية ويعلو بقدرة العليم القدير وعندها سيتذكر سي يحي هؤلاء الناس الطيبين الذين ظلوا يؤمنون به، لمّا نسيه الكلّ، ويرفعون من شأنه لمّا زلّت به القدم... لذلك وجب الرهان عليه؟

ثمّ محرز الممرّض الذي يُكلّف بالسّهر على سي يحيى وهو الوحيد الذي يبقى على اتصال به...

نتابع التقدّم الأحداث فإذا بمحرز نقابي...!!
هكذا، في سياق الحوار، تطلق الصفة النقابية عليه. وعدا ذلك لم نر منه ما يشير إلى الصفة النقابية.

فكيف يقع اختياره لتلك المهمّة؟ هل للإدارة ثقة فيه؟ هل هو نقابي في السريّة أم في سرّه؟... فكيف تطلق عليه هذه الصفة مجانا؟

وبعد ذلك، نُفاجَأ ثانية لمّا تطلق صفة ثانية على محرز فإذا هو إسلاميٌّ وأيُّ إسلاميٍّ؟ إسلاميٌّ ذو ميولات عروبية.

ومحرز هو الذي رتّب اللقاء مع الصُحُفيّة التي تسعى منذ البداية (في مشهد المطار) للحصول على حوار مع سي يحي.

ويصرّح محرز لزوجته، في نهاية المسرحية، أنّه يريد الوقوف إلى جانب سي يحي وإعانته على الفرار من البلاد.

من هو محرز؟
قد يوجد أمثال محرز في الساحة النقابية التي تضمّ الجميع -على كلّ لون يا كْرِيمَهْ- ولكن، من ناحية البناء الدرامي، تبدو شخصية محرز شبيهة بذلك الكيس الذي يُحْشَى به كلُّ شيء (Fourre-tout)، كلّ الأشياء التي قد يحتاجها مسافر على عجل.

إنّ المسرحية في بنائها ولعبها وإخراجها راقية، قويّة، متينة في مجملها لا شكّ في ذلك... ولكن لماذا هذا الخلل في بناء شخصية محرز التي غطّى على هناتها، رياض الحمدي بحضوره الركحي وحسن لعبه وصدق أدائه؟

عموما، إنّ صورة النقابي المقدّمة والحاصلة لا تتماشى والزلزال الذي هزّ في الدخلة ودوّى رصاصه ولعلع والذي فُهِم على أنّه أزمة 26 جانفي النقابية...

هل يعود ذلك إلى قلّة الاهتمام بهذا الصنف وعدم الاكتراث بنشاطه...؟

أو لعلّه موقف من العمل النقابي وما إليه يحمله أصحاب العمل المسرحي.

أمّا ما يمكن تسميته باليسار في معناه الواسع فهو غير ممثل في يحيى يعيش وإن كان لا يمكن اعتبار هذا نقيصة إذْ قد نُلَامُ على المطالبة بحشره في موضوع لا يعنيه!... فإنّنا نتساءل بالمناسبة عن صورة اليسار في خمسون.

لقد اخْتُزِلَتْ صورته في يوسف. فهل يمثل يوسف لوحده اليسار التونسي طيلة خمسين سنة؟

في الحقيقة يمثّل يوسف الجيل الأوّل، الجيل المؤسس لليسار الجديد، ولا أعرف أحدا لا يُكِنُّ له الاحترام كلّه ولا يَعْترفُ حقّ الاعتراف للجيل الرائد.

ثمّ الأهمّ من كلّ هذا من هو يوسف؟ وكيف قُدِّمَ هذا الرمز؟ كيف ظهر على الركح هذا النموذج الذي يختزل مسارا كاملا ليسارٍ لا يزال واقفا وعلى الدرب يسير؟

يوسف مُقْعَدٌ. يظهر على كرسي تقوده زوجته (مريم – جليلة بكار). عاجزٌ. مَهْزوم. لا يتكلّم. هو مناضل يساري حطّمته السجون وأقعده التعذيب. تعود ابنته أمل التي ربّاها على مبادئه، مبادئ الحداثة والحرية والمسؤولية... أمل – التلميدة- التي عادت إلى المنزل وهي تَبْكي يوم قال لها أستاذ التربية الدينية أنّ المرأة عورة... تعود أمل – الأستاذة - من فرنسا.. مرتديةً الحجاب.

وفي فرنسا كان صديقها أو خطيبها طبيب فرنسي وهو مناضل في جمعية أطباء بدون حدود وهو تروتسكي [3] وإذا به هو أيضا يعتنق.. الإسلام ويصبح.. سيف الدين..!!!

هكذا إذن صورة النقابيين والديمقراطيين والتقدميين واليسار مشوّشة في أحسن الحالات أو مشوّهة إن وجدت أو هي مغيّبة.

قد يقول القائل: فشلت "الدولة الوطنية" في مشروعها المجتمعي وعجز اليسار عن تبليغ مشروعه للمجتمع وطاح جدار برلين وهذه الحركة الإسلامية تطفو على الساحة.

ولكن لا يعني ذلك أنّ تجربة اليسار قد توقّفت أو انتهت... هذا غير موضوعي ويجانب الواقع لأن حِراك اليسار ظلّ موجودا وسيظلّ موجودا يدافع عن إنسانية الإنسان ما دام الصراع الاجتماعي قائم بين الناس. واليسار التونسي حبل وصاله ممدود وسلسلة تجاربه لا تنقطع وإن اختلفت الرؤى والمواقف والتكتيكات من جيل لجيل.

هذا أنا أنتمي إلى اليسار الثقافي (والاسم الحركي: الأجنف الثقافي) وهذه وذاك من اليسار النقابي والثالث ناشط في المجال الحقوقي وذاك مختصّ في مقاومة التعذيب والآخرون في النضال الجمعياتي وتلك مناضلة نسائية وهؤلاء طلبة يساريون يرفعون القبضة عالية وقد قضّوا السنة الدراسية وراء الشمس وهؤلاء يعلنون في المحاكم انتماءهم إلى حزب يساري والقاضي يقاطع ويضرب بمطرقة الأحكام والسجّان يُجلجل بحزمة المفاتيح.

هذا هو اليسار التونسي العنيد... هذا ما كان وهذا ما حدث أيّام سي يحي أيّا كان سي يحي... لنقل طوال خمسين طوتها خمسون.

العمل الفنّي الذي يتحلّى بالصدق الفنّي والقراءة الموضوعية والمعرفة الحقيقية للواقع يستحضر فيه الرسّام عصارة الألوان جميعِها كما يستحضر فيه الأديب عند الإنشاء عصارة القوانين التي تحكم حركة المجتمع ومختلف القوى الفاعلة.

لماذا بقي أدب بلزاك [4]، الذي ينتمي إلى طبقة النبلاء والمنحاز سياسيا إلى المَلَكِيَة، حيّا؟ لأنّه كان شاهدا صادقا على التحولات الاجتماعية فصوّر بصدق وموضوعية كلّ الأطراف الفاعلة: طبقة النبلاء الآفلة وطبقة البرجوازية الصاعدة وطبقة العمّال الواعدة.

فلماذا تمعن دار فاميليا، وهي في اعتبارنا دار كبيرة، في استحضار الغائب وتغييب الحاضر؟

ولماذا يقع اختزال الواقع في ثنائية: سلطة – إسلاميين. وهي ثنائية من إنتاج الطرفين؟

فكيف تتجلّى صورة الإسلامي؟

الإسلاميون:
بين الفزّاعة والدّمية

الإسلاميون ظاهرة هامة في واقعنا، مضخّمة في الحياة الاجتماعية والسياسية ومغيّبة في أغلب الأعمال الفنية تجنّبا للمحضور - دون منشور- ولكنّ الجرأة الفنيّة التي تميّز الفاضل وجليلة ودار فاميليا تمكّن من التطرّق إلى الموضوع بحريّة. والموقع الذي تحتلّه الجماعة يدعّم كلّ مشروع.

كيف يتجلّى الإسلامي في الأعمال الفنيّة عموما؟ وفي مسرح الجعايبي خصوصا؟

نادرا ما يقع التعرّض إلى الظاهرة ويقع تجاهلها وكأنّها غير موجودة أو غير هامّة أو إن شئت هي موجة على هامش المجتمع وقد حسم أمرها بالحلّ الأمني. ويقدّم الإسلامي حين يقع التعرّض إليه بنفس الصّورة التي يقدّمه بها الغرب: صورة الإرهابي. كذلك كان الشأن في شريط "ميكنغ أوف" للنوري بوزيد. وتُختزل الصورة في الصورة السلبية (كليشي-Cliché) المحمّضة في مخابر البنتاغون والمستنسخة في مخابر السلطة. وتُغَيَّبُ الأسباب والمسببات والملابسات والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والإعلامية والسياسية والتاريخية والحضارية... بدْءا بالصدمة الحضارية (إذْ كيف نقف اليوم في العصر ونواجه بوش، ونحن لا نزال، في الأمس، في لحظة الصّدمة، أمام نابوليون [5]؟)

صورة الإرهابي هي صورة نمطية للإسلامي ولا تعكس الواقع المركّب، المعقّد، المتعدّد... وهي بناء ذهني سياسي وثقافي وليست مجانبة للصواب فحسب بل هي خطيرة لأنّها، تماما مثل قانون الإرهاب، لا تساهم في حلّ المشكل وإنّما تصبّ النفط على النّار وتؤجج صراعا مفتعلا، مشبوها، مشوّها... لا ناقة فيه ولا بعير لكلّ الأطراف المتقابلة.

وفي مسرح الفاضل وجليلة كيف كان الأمر؟

في يحيى يعيش لم تقدّم الظاهرة الإسلامية ممثّلة مباشرة في شخصية أو شخصيات على الركح. وإنّما ظهرت في الخلفية، في خيوط النسيج فنُذكِّرُ مثلا بالإشارة لكون محرز إسلاميا. وبتلك العبارة المحتجّة الفاضحة التي أطلقتها إحداهنّ في وجه سي يحيى: "تبزنس مع لِخْوانجية". وأخيرا ما سبق وأن لاحظنا عن المعجم الديني في خطاب سي يحيى.

أمّا في خمسون فإنّ الظاهرة الإسلامية ظاهرة كالقضاء لا راد لها...
فـأمل ابنة يوسف المناضل اليساري تجلّى لها الإسلام في أبهى صورة وارتوت من الصوفية فبان لها بهاءُ الخالق في مطلق حسنه وعجزُ المخلوق في كلّ فعله وتفاهة كينونته خارج دائرة العشق الربّاني فوضعت الحجاب وشاركتْ، جودة، السكنَ وهي زميلة لها في العمل، أستاذة، هي أخت في الدين، فَجَّرَتْ نفسها في ساحة المعهد تحت سارية العلم...

في خمسون صورتان: أمل وجودة.
إذا انبنت صورة جودة على العنف والتفجير والموت والإرهاب، فإنّ صورة أمل انْبَنَتْ، على نقيض ذلك، على المذهب الصوفي المُؤَسَّسِ على اللطف والمودّة والعشق المؤدي إلى الذوبان في ذات الخالق.

صورتان متقابلتان: الإرهابي والمتصوّف. الفزّاعَة والدُّمْيَة.

لئن وقع تجاوز كليشي الإرهابي بإدراج تجربة هي على النقيض منها فإنّ الظاهرة في مجملها لا تزال في حاجة إلى معالجات في شتّى ألوان الفنون علاوة على ضرورة العناية بها في البحوث والدراسات في مختلف العلوم: الإجتماعية والنفسية... والإنسانية عموما.

ويمكن أن نشير هنا إلى الكشف الذكي الذي قدّمه محمد الجابلي [6] في روايته الأخيرة أبناء السحاب لمّا بنى شخصية الابن بناء متماسكا معقولا في تفاعل بين تَمَزُّقِ الأسرة وأزمة المجتمع وانقلاب القيم وضياع المراجع من ناحية، وحيرة الشاب وضياعه في هذا الخضمّ المزبد.

الإسلام مبثوث في المجتمع التونسي، متزاوج مع النسيج الثقافي والحضاري والفكري للمجتمع وهو في وئام متوازن مع منزع الشعب التونسي للحداثة للمعاصرة للتقدّم للتسامح... وأقولها لللائكية.

الناس مسلمون ولكن لا يعني ذلك أبدا أنّهم إسلاميون.

فما معنى إسلاميّ؟ إنّها عبارة تستعمل (عمدا) بالمعنى الذي تفيده كلمة (زَعْ) التي تسوق الإبِلَ جميعَها. أو هي كذاك الكيس الذي تُحْشَرُ به كلُّ الأشياء حشْوًا. تحت إسلامي تجد بن لادن ورموز النهضة وأستاذ التربية الإسلامية وحمزة، ابن جارك، المراهق الذي يصلّي الصبح حاضرا في مسجد الحيّ ومروى ابنة زميلك التي وضعت الحجاب لسبب لا يعلمه من لم يبحث في الظاهرة... وصولا إلى عمّ عثمان العطار الذي رفض فتح دفتر (كريدي) لعرف ولد محرز الفرملي...

والإسلاميون الذين هم.. إسلاميون فإنّهم ليسوا كلاّ متجانسا. ليسوا كتلة واحدة بنفس المفاهيم والتصوّرات والمعتقدات ولا يصادقون على نفس البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ولو وضعت أمامهم مختلف البرامج التي تشقى، كلّها، لتصل إلى عموم الناس، وتسنّى لهم قراءتها ومناقشتها والتفكير في واقعهم وحاجياتهم وطموحاتهم وفيها، لاختلفوا وتوزعوا بينها أحزابا (والحزب هو الجماعة أو الفريق).

الخاتمة
واستشراف الآتي

هذه إذن هي مسرحية يحيى يعيش المسرحية السياسية أو النفسية أو إن شئت البوليسية فالمهمّ ليس هذا أو ذاك، لأنّه بات من الواضح أنّ المسرحية مركبة وذات مستويات وأبعاد متعدّدة، وإذا كان هاما أن نحاول ضبط الموضوع والحكاية وإذا كان النظر في فنون الإخراج والتقنيّات والأساليب وكيفية الأداء مهمّا أيضا، فإنّ الغاية من كلّ ذلك تظلّ دوما، في نهاية المطاف، السعي إلى استجلاء المقصود.

كانت الفرجةُ ممتعةً حقّا بذلك الأداء الممتاز، والفرقةُ متجانسةً فعلا في ذلك اللعب دون نشاز.

جليلة بكار أدّت بـروعتها المعهودة عدّة أدوار فكانت على التوالي: الطبيبة والصحفية والعاملة... وكذلك الشأن بالنسبة لفاطمة سعيدان التي طلعت علينا في ألف لبوس وكلّما أطلّتْ أدّتْ وأبدعتْ فأمتعتْ.

واللّوم الوحيد هو ذاك الشعور بأننا دخلنا من الباب وخرجنا من الخوخة لأنّ مسرحية يحي يعيش لم تعتن إلاّ بيحي يعيش.

والمسرح العظيم في تقديري هو المسرح الذي، إلى جانب الجمال والفِتْنَة، يزرع فيك الحيْرةَ والسؤال ويدفعك إلى التفكير في ما هو كائن وفي ما يجب أن يكون. لا يتوقف عند توصيف الظاهرة ويتفنّن في جزئياتها وأطرافها والحواشي بل يدفعك إلى البحث عن الأسباب والجذور والخلفيات والدوافع وعن النتائج أيضا... الفنّ العظيم يجعلك تستكشف الظاهرة فتستجلي وجه النقد وقفاه (قطعة النقد) وذاك هو النقد الوجيه أي التحليل أو الاستقراء الصائب.

وما ضرّ لو تضمّن العمل الفنّي إشارة، ومضة، غمزة، إشارة، شعاعا استشرافيا يفتح نافذة أو كوّة نلتفت من خلالها إلى الآتي، آتي هذا الجمهور.

فماذا يعني أن يرى سي يحي أوصاله وقد قُطِّعتْ ونُشرتْ في كلّ اتجاه؟

كذلك كانت نهاية سي يحي.

هكذا كانت نهاية يحي يعيش:

وفجأة يختفي
"...أصوات تنادي
كاينّها طالعة من قاع بير
تلحّ
تهمس
توشوش
تزفّر
تغنّي في إسمي
يحي يحي سي يحي
حلّيت عينيّ وخزرت
ريت يحي يعيش
ساق
يدّ
راس
كلّ طابق وحده مخلوع
منشّر عالرّابع شيرة
وغبت... "

في نهاية شهر جانفي 1980، كنّا بمدينة الكاف في التربص الجهوي لنوادي السينما الذي يجمع نوادي ولايات الشمال [7]. وكان البرنامج واضحا: نخصّص حصص النّهار للدراسات والاطلاع على المدارس السينمائية والنقاشات والتدرب على إنجاز الورقات التقديمية والنقدية ونفرد الحصص المسائية للتطبيق، للتدرب على حصة "نادي السينما يعرض ويناقش" أي للفرجة، لتقديم الأفلام وعرضها ومناقشتها.

في تلك الليلة، كان البرنامج يشتمل على.. مسرحية. تجمّعت الكراسي واقتربت من بعضها وتراصت أمام التلفاز.

ليلتها كانت قفصة تهتزّ تحت وطأة أحداث.. قفصة – وما أكثر وأفجع أحداث قفصة الجريحة دوما - تلك الأحداث التي أودت بصحّة الوزير الأوّل، السيّد الهادي نويرة، وأقعدته وعزلته عن مهامه. ولكنّ وزير الإعلام آنذاك كان ذكيا، على ما يبدو، لأنّه لم يلغِ عرض "غسّالة النوادر"...

واليوم وقد تقلّصت أطر النقاش وفضاءاته ومناسباته ها أنّي أطرح هنا ما عندي عسى أنْ أدْلِيَ بِدَلْوِي مع من يُدْلِي دون أن أزعج السّاقي ولا المُرتوي.

على كلّ لقد نجحتْ المسرحية وأيّما نجاح بجُرأتها وفنيّاتها وموضوعها في تحريك السواكن بطرق المسكوت عنه فهزّت جمهورها وأقضَّتْ مضاجعه وأثارت النقاشَ بين المتفرِّج وذاتِه وموضوعِه وأحْيَتْ سهراتٍ أمتعتْ وآنستْ فطوبى لكلّ من طلعَ على الخشبة ولكلّ من شارك من الكواليس.

وإنّي لأشعر بلون من الحزن لمّا أرى عملا فنيّا من ديارنا يُشرق للحياة ويمرّ هكذا دون أن ينتبه له أغلب الناس دون أن يلعب دوره في الإمتاع والمؤانسة والمنافسة والمناقشة... لأنّ العيون مشدودة إلى إشهار وإعلانات وواجهات تجار الأحلام الفاسدة والأيدي مكبّلةٌ بالشقاء اليومي أمّا العقولُ فهي كليلة مغلولة بقيد الغرائز البهيمية والمسلّمات السّخيفة.

رجل المسرح، كما كلّ فنّان، هو شاهد اللحظة ومتورّط فيما يحدث الآن وهنا ومساهم في بلورة الوعي الجمعي وهندسة الأرواح وتشكيل الإرادة العامة ومواجهة الأقدار المزوّرة وصنع التاريخ...

ولن يكون ذلك ما لم يعبّر الفنّان بحرية تامة.
لن يكون ذلك ما لم يتوفّر الصدق الفنّي.
لن يكون ذلك ما لم يصل العمل الفني إلى الجمهور الواسع.
وما لم يملأ صداه وسائل الإعلام الجماهيري التي يؤثّثها الإسفاف والدعارة والنفاق والبخور والشعوذة.

زائــدة:
كلمة، سي يحي، لو سمحت.

وأخيرا وليس آخرا، يسرّني، سي يحي، لو سمحت، باسمي وباسم كلّ لوخيّان الثقفوت ومحبّي الثقافة وزقزقة العصافير والمولعين بالإستيتيقا والمغرمين بالمواضيع الجادة والمصابين بتخمة الثقافة المعلبة والقابعين تحت السّور والمنبوذين في الشوارع الخلفية والمنسيين وراء أحزمة المدينة وكلّ المتروكين والمتروكات والمهملين والمهملات... المسكونين بالفنّ المسرحي وغير المسرحي، يسرّني، سي يحي، لو سمحت، أنْ أطرح على سامي مسامعكم الطاهرة هذه الأسئلة البدائية، الإبتدائية، البسيطة، السّاذجة سذاجة البدوية.

هي أسئلة حرّى، ملتهبة، حارقة. هي، على الفم كالسِّوَاكِ الحار، ولكنّها أسئلة للفم معطّرة، وللأسنان منظّفة، وللّثة مطهِّرة، لأنّ الفم الذي لا يُفْتَحُ ولا يسأل فمٌ نَتِنٌ. إذن أطرحها سي يحيى. ألقي بها وأمضي.

كم مرّة، سي يحي، عُرِضتْ يحي يعيش؟ وكم تخمن عدد الذين شاهدوها؟

ما هي النسبة المائوية للتلاميذ الذين لم يدخلوا ولو مرّة واحدة إلى قاعة مسرح؟ والطلبة؟

كم ملعبا أمرتم بتشيبده سي يحيى؟ وكم ملعبا مولتم تعشيبه؟ كم مقفزا يوجد بالمؤسسات التعليمية والمقفز، سي يحي، هو مستطيل به كدس رمل يقفز به التلاميذ في حصّة الرياضة ويسمّى (سوطوار: اسم مكان من فعل قفز).

كم قاعة مسرح بُنيتْ في البلد دون اعتبار ما بنته العكري؟ وتُسْمَعُ من قاعة مسرح قاعة بمواصفات الفنّ المسرحي، سي يحيى، ولا تُحْتسبُ قاعاتُ دور الشعب شبه المغلقة شبه المفتوحة، متعدّدة الاختصاصات أحادية الاستغلال وقد بُنِيَتْ بميزانية وزارة الثقافة... ومفتاحها، يا سي يحيى، عند ولد محرز الفرملي؟.

كم سجّلت التلفزة الوطنية، منذ بُعِثتْ في الستينات، من مسرحية من إنتاج الفرق التونسية؟ ومتى كان ذلك؟ وكم بثّتْ منها؟ وأذكّرك سي يحيى أنّك كم مرّة افتخرت بتأصّل المسرح في بلادنا وأعلنت أنّنا الأوائل في إفريقيا والوطن العربي، وعددت الفرق بدءا بالمسرح الوطني وفرقة بلدية تونس وفرق المحترفين والهواة وفرق المسرح الجهوي ونوادي المسرح والمسرح الجامعي والمسرح المدرسي، أيضا سي يحيى، وما أدراك ما المسرح المدرسي!).

كم مقابلة في كرة الأرجل سجّلتْها وبثّتْها تلفزتُنا الوطنية العتيدة؟

نعم؟
ماذا...؟
طبعا...!
نعم! أنا أسأل وأسائل التلفزة الوطنية. ولِمَ لا أسائلها؟

أودّ فقط، سي يحيى، أنْ أذكِّرَ أنّي، وأنّه، وأنّها، وأنّهما وأنّنا جميعا، ومنذ قرابة ربع قرن، ندفع ضمن فاتورة الكهرباء "معلوم الإذاعة والتلفزة". وآخر فاتورة بها أكثر من ثلاثة دنانير: 7963, !... كم عدّادا عائليا دفع هذا المعلوم في الأيّام الأخيرة، يا سي يحي؟ إذا كان معدّل العائلة التونسية عشرة أفراد هناك مليون فاتورة... عشرات ملايين الدنانير في السنة في صندوق تلفزتنا الوطنية الموقّرة... هذه التي يسمّونها المليارات... لا أتصوّر الكمَّ ولا أقدر على العدِّ.

كم نصيب الثقافة منها عموما والمسرح، على سبيل المثال، يا سي يحي؟

إلى كم مليار تصل ميزانية فريق من فرق كرة الرجلين يا سي يحي؟

وكم تقدّر ميزانيات كلّ الفرق المسرحية مجتمعة من جزيرة جالطة شمال طبرقة إلى رمادة جنوب تطاوين، ومن برج الرومي ظهري بنزرت إلى رجيم معتوق قِبْلِي دوز؟

يُقال، يا سي يحي أنّ معدّل الدخول لمسرحية لفرقة من القسم الوطني 200 متفرج في العرض الواحد. فإذا عُرِضت عشرة مرّات (وهذا فتحٌ مُبين) شاهدها 2.000 متفرج!... ويُعتبر هذا الجمهور ضئيلا في مقابلة واحدة تدور بين فريقين من العالم الثالث (عفوا، أقصد القسم الثالث، سي يحيى، إنّها وربّ الكعبة زلّة لسان) ومن صنف الأداني في ملعب أشهب بقرية من قرى مناطق الظلّ!...

وفي انتظار الموسم الثقافي القادم، سي يحي، يعيش يحيى يعيش ويربّي الرّيش، ونعيش نعيش ويحيا الوطن.!

وهلمّوا هلمّوا لكم سديد النظر والسلام عليكم.

الجزء الأوّل

[1] البريشتية: بريشتية: نسبة لبريشت، برتولد بريشت أو بريخت، (1898 – 1956)، رجل مسرح ألماني، تأليفا وإخراجا ونقدا وتنظيرا وشاعر واجه النازية في الثلاثينات والأربعينات ، فرّ إلى فنلادة ولمّا غزتها القوات النازية لجأ إلى أمريكا حيث حوكم واعتبر غير مرغوب فيه. عاد إلى موطنه، بعد نهاية الحرب، وعاش بألمانيا الشرقية حيث واصل نضاله الفكري والثقافي.

[2] ميكرو مجتمع: مجتمع مصغّر

[3] تروتسكيٌّ: نسبة إلى ليون تروتسكِي، أحد قادة الثورة الاشتراكية 1917 بروسيا، رفيق لينين وستالين، اختلف في العشرينات مع ستالين وترك تيارا ماركسيا له مقولاته في الثورة والبناء الاشتراكي.

[4] بلزاك: أحد أبرز أعلام الرواية وروّادها في فرنسا والعالم، يُعتبر أب الرواية الفرنسية

[5] نابيون: لوي نابوليون بونابارت والمقصود حملته على مصر نهاية القرن 18 بداية 19 التي أحدثت الصدمة الحضارية.

[6] محمد الجابلّي: قاص وناقد ناشط في الساحة الأدبية آخر ما صدر له : ابناء السحاب، أفريل 2010

[7] نوادي سينما ولايات الشمال الناشطة سنتها: بنزرت وماطر وتونس والمرسى وقرطاج وباجة وجندوبة والكاف وتاجروين والدهماني وسليانة وقعفور. وانعقد في نفس الوقت تربص نوادي الوسط بسوسة والثالث: تربص الجنوب بصفاقس (دون تعليق- no comment).

الثلاثاء، 13 يوليو، 2010

المرصد التونسي للحقوق والحريات النقابية : تضامنا مع الصحفي الفاهم بوكدوس ومن أجل إيقاف كل التتبعات ضده

المرصد التونسي للحقوق والحريات النقابي

تونس في 11 / 07 /2010




تضامنا مع الصحفي الفاهم بوكدوس ومن أجل إيقاف كل التتبعات ضده



أقرت محكمة الاستئناف بقفصة يوم الثلاثاء 6 جويلية الجاري الحكم الابتدائي الصادر في حق الصحفي الفاهم بوكدوس والقاضي بسجنه لمدة أربع سنوات ولم يحضر الصحفي الجلسة إذ يرقد حاليا بمستشفى فرحات حشاد بسوسة بعد تدهور حالته الصحية الأسبوع المنقضي وقد قدم محاموه شهادة طبية تفيد خطورة وضعه الصحي نتيجة إصابته الحادة في الرئتين وقد ذكرت اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض المنجمي في بيان لها أن الفاهم بوكدوس قد تعرض يوم 5 جويلية أي قبل يوم من جلسة المحاكمة إلى محاولة لإخراجه من المستشفى لولا تدخل أطبائه المباشرين الذين أكدوا على ضرورة بقائه به للمتابعة الطبية وإذ تلقى المرصد التونسي للحقوق والحريات النقابية بكثير من الاستياء خبر صدور هذا الحكم القاسي على صحفي أدى واجبه المهني في تغطيته الأحداث التي جدت بمنطقة الحوض لفائدة قناة" الحوار التونسي" التلفزية التي يعمل بها فإنه :


1) يعبر عن تضامنه مع الصحفي الفاهم بوكدوس ويتمنى له الشفاء العاجل.


2) يعتبر أن محاكمته هي محاكمة ذات طابع سياسي وأنها تضييق على الرأي ومنع لحرية التعبير المكفولة بدستور البلاد وقوانينها.


3) يرى أن التعلل بأن الفاهم بوكدوس ليس صحفيا وانه لا يملك بطاقة مهنية كما ورد ذلك على لسان الناطق باسم الخارجية التونسية كلام مردود إذ أن السلطات تمنع وسائل الإعلام المستقلة من الوضع القانوني كما تحجب البطاقة المهنية عن اغلب الصحافيين العاملين بجرائد المعارضة ثم تحتج بعد ذلك بأنهم ليسوا صحافيين.


4) يدين هذا الحكم الذي صدر إثر محاكمة لم تتوفر فيها الشروط الدنيا للمحاكمة العادلة إذ لم يتمكّن المتّهم من الحضور أمام المحكمة للدفاع عن نفسه ولم تمهله المحكمة حتى يتعافى ويكون قادرا على ذلك، كما لم يتمكن محاموه من المرافعة وفق ما ورد في بيان الرابطة التونسية لحقوق الإنسان الصادر في 7 جويلية 2010.


5) يستنكر بشدة لجوء السلطة إلى محاولة حرمان مريض من حقه في العلاج مهما كانت طبيعة التهم الموجهة إليه ويعتبر ذلك مخالفا لكل الشرائع ولأبسط مبادئ حقوق الإنسان.


6) يطالب بإغلاق ملف قضية الحوض المنجمي والى ضرورة معالجة أوضاع الأهالي في تلك المنطقة وذلك باعتماد سياسة تنموية جهوية متوازنة لا بواسطة الحلول الأمنية التي توتر الوضع هناك وتعمق إحساس الناس بالغبن والظلم .


7) يدعو بإلحاح إلى تمكين جميع الذين تمّ إطلاق سراحهم من قبل من استرداد حقوقهم المدنية والسياسية وإرجاعهم إلى سالف أعمالهم.



عن المرصد

المنسق المكلف بالإعلام

عبد السلام الككلي

المصدر : إعادة نشر منتدى" الديمقراطية النقابية و السياسية "

الأحد، 11 يوليو، 2010

رسالة مفتوحة من الصحافي الفاهم بوكدوس إلى الرأي العام

لاشك أن الجميع على إطلاع بما عشته وأعيشه طيلة الأسبوع المنقضي، إذ رغم تعرّضي لأزمة ربو حادة فرضت عليّ الإقامة في المستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة منذ يوم الجمعة 2 جويلية 2010، فإنّ محكمة الاستئناف بقفصة أبت إلا أن تصدر حكمها ضدي والقاضي بـ4 سنوات سجنا رغم تقدّم محاميّ بشهادة إقامة في المستشفى وهو خرق قانوني خطير ومسّ من أحد أركان المحاكمة العادلة، بالتوازي مع ذلك يحاصر غرفتي بقسم الأمراض الصدرية بالمستشفى المذكور عدد من أعوان البوليس الذين حاولوا أكثر من مرة التأثير على الإطار الطبي من أجل إخراجي من المستشفى، وهم يتربّصون الآن من أجل الزجّ بي في السجن حال مغادرتي.

إنني إذ أتوجه للرأي العام المحلي والدولي وفي مقدمته الجسم الصحفي الذي أتشرف بالانتماء إليه، فكي يكونوا على بيّنة من وضعيتي التي تنذر بخطر محدق، خطر جدي لا مفتعل، إنني لا أذيع سرا حين أقول إن مرض الربو يلازمني منذ أكثر من 20 سنة وهو من النوع الحاد وهو في مرحلة متقدمة جدا، وأن أزماته المتتابعة أنهكت بدني وأضعفت قدرته على التحمّل، هذا البدن الذي تعوّد على التدخلات العاجلة وجرعات من العقاقير لن تتوفر في حال الرمي بي في السجن، إن التعفن الذي طال الرئتين وانسداد قنوات التنفس يؤدي بصفة حتمية إلى نقص نسب الأوكسجين في الدماغ ممّا يفقدني الوعي ويدخلني في غيبوبة ممّا يستدعي التعجيل بالتنفس الاصطناعي الذي ساهم ويساهم في إنقاذي من موت محقق. إن الزج بي في عنابر السجن التي أعرفها جيدا سيضاعف معاناتي ويعقد وضعي الصحي وهو وضع عشته سابقا، فالسجن ليس إلا رديفا للاكتظاظ والأوساخ والرطوبة وكثرة المدخنين وضيق التنفس (للجميع) خاصة في أشهر الصيف القائضة، فضلا عن خضوع المتابعة الصحية التي يمكن أن أتلقاها إلى تدخل إدارة السجن زيادة على بطئها وعدم جديتها وجدواها في أغلب الأحيان. إن ذهابي لمثل هكذا وضع وفي مثل حالتي هذه لن يكون إلا حكما عليّ بالموت.

إنني إذ أتوجه إليكم بهذا النداء، فإنني أحمّل السلطة التونسية كامل مسؤوليتها فيما يمكن أن أتعرّض له من تعكرات حتمية، فأنا خارج من المستشفى ذاهب إلى السجن/الموت.

إنني حين اخترت مهنة الصحافة، فقد اخترت صف الكلمة الحرة والنظيفة والمنحازة للحقيقة، وأنا أعرف جيدا الضريبة المفروضة على من اختار هذا النهج، وأنا لن أكون أقلّ جرأة وشجاعة ممّن سبقني في هذا الدرب، فلن تربكني الأحكام الجائرة ولن أتخلف عن تقديم الضريبة ولو كانت حياتي، فلتكن حياتي ثمنا فداءا للحرية والديمقراطية.

10 جويلية 2010

الصحفي الفاهم بوكدوس
مراسل قناة الحوار التونسي وموقع البديل الالكتروني
المستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة

قفصة :
بلاغ مشترك

أقدمت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بقفصة يوم 6جويلية الجاري على إقرار الحكم الجائر الابتدائي الصادر في حق الصحفي الفاهم بوكدوس (4سنوات). وأمام إجماع كل الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية مضافا لهما لسان الدفاع على إنتفاء أبسط شروط المحاكمة العادلة المتفق عليها فإننا نعلن عن:


وندعو السلطة إلى :



1- إدانتنا الصارمة لإقحام المؤسسة القضائية في المجالين السياسي والاجتماعي للتنكيل بأحرار البلاد 2- مساندتنا المطلقة للسيد الفاهم بوكدوس وحسن بن عبدالله وكل مساجين الحوض المنجمي (شبان المضيلة) 1- الافراج الفوري دون قيد أو شرط عن كل مساجين الحوض المنجمي وإيقاف التتبع ضد جميع الملاحقين 2- إيقاف تنفيذ العقوبة الصادرة ضد الصحفي الفاهم بوكدوس حفاظا على حياته المهددة 3- المعالجة الجدية لقضايا "الحوض المنجمي" وفي طليعتها عودة المطرودين إلى سالف أعمالهم والتخفيف من وطأة البطالة... 4- إستعدادنا المطلق مع كافة القوى الديمقراطية وأبناء وبنات شعبنا للدفاع عن كرامة المواطن وعزة الوطن التي تقتضي أولا وقبل كل شيء القطع مع الإستبداد.

قفصة في 8 جويلية 2010

عن جامعة التكتل الديمقراطي من أحل العمل والحريات
الكاتب العام الهادي رداوي

عن حزب العمال الشيوعي التونسي
عمار عمروسية

رأس النظام التونسي يضمر اغتيال الصحفي الفاهم بوكدوس

"إنني حين اخترت مهنة الصحافة، فقد اخترت صف الكلمة الحرة والنظيفة والمنحازة للحقيقة ، وأنا أعرف جيدا الضريبة المفروضة على من اختار هذا النهج، وأنا لن أكون أقل جرأة وشجاعة ممن سبقني في هذا الدرب، فلن تربكني الأحكام الجائرة ولن أتخلف عن تقديم الضريبة ولو كانت حياتي،فلتكن حياتي ثمنا فداءا للحرية والديمقراطية".الرفيق الفاهم بوكدوس.

إن الزج بالفاهم بوكدوس في السجن على خلفية تهم باطلة، رغم أنه يصارع مرض الربو الحاد- في مرحلته المتقدمة- هو حكم عليه بالموت، مع سابق الإضمار والترصد، و يتحمل مسولية جريمة القتل هذه رأس النظام، إذ هو على بينة بكل ما يحدث، ومن المرجح أنه هو الذي أعطى الأمر بالتنفيذ.

وفي هذا السياق أدانت عديد المنظمات الوطنية والدولية الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بقفصة يوم الثلاثاء 6 جويلية في قضية الفاهم بوكدّوس، والقاضي بسجنه 4 سنوات مع النفاذ، وذلك على خلفية تغطيته للاحتجاجات التي عرفتها منطقة الحوض المنجمي سنة 2008.

وقد أدانت مراسلون بلا حدود الحكم واعتبرته مخالفا للمبادئ الأساسية للقضاء التونسي، كما أدان الاتحاد الدولي للصحفيين قرارالمحكمة التونسية إدانة صحفي بتهمة "تكوين وفاق إجرامي من أجل الاعتداء على الأشخاص"، وهي التهمة التي اعتبرها الاتحاد كيدية، لأن بوكدوس اتهم بعد تغطيته المظاهرات العامة ضد البطالة والفساد في منطقة الحوض المنجمي، وصرح "ايدين وايت"، أمين عام الاتحاد الدولي للصحفيين بأن إدانة بوكدوس خطأ جسيم للعدالة، رفضت محكمة الاستئناف بقفصة تصحيحه، معتبرا أن بوكدوس ضحية حكومة لا تحتمل النقد والمعارضة".

كما أدان المرصد الوطني لحرية الصحافة والنشر والإبداع إدانة بوكدوس معتبرا قضيته قضية رأي من أجل تجريمه ومعاقبته على نشاطه الصحفي الذي من المفترض أن يكون أمر عاديا محميا بالقوانين التونسية والدولية.

وأدان المرصد بشدة الحكم الذي صدر على إثر محاكمة بدون مرافعات ودون أن يمكّن المتهم من تقديم وسائل دفاعه على حد تعبير البيان.

وطالب بإلغاء الحكم وحمّل السلطات التونسية كل تردّ يمكن أن يطال صحّة الفاهم بوكدّوس أو حياته. يشار إلى أن بوكدوس لم يتمكن من حضور المحاكمة وهو نزيل بالمستشفى لتلقي العلاج بسبب أزمة ربو حاد.

وقد عملت أجهزة البوليس على إخراجه من المستشفى ليلة المحاكمة وإكراه الطبيب المناوب للتوقيع على اخراجه.

المجد للكلمة الحرة، الحياة للرفيق الفاهم.

عزالدين بوغانمي

الحزب الديمقراطي التقدمي :
الإعلان الصادر عن الندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية

بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لإعلان الجمهورية، نظم الحزب الديمقراطي التقدمي صباح اليوم بمقرّه المركزي ندوة وطنية حول مستقبل الجمهورية، بمشاركة أعضاء مكتبه السياسي ومناضليه في الجهات. وقد حضر الندوة ممثلون عن المجتمع المدني والمعارضة.

بعد أن افتتحت مية الجريبي الأمينة العامة للحزب، تداول على الكلمة كل من الأساتذة أحمد نجيب الشابي والعياشي الهمامي عن هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، والرفيق عبد المؤمن بالعانس باسم حزب العمال الشيوعي التونسي، والسيد ناجي البغوري عن نقابة الصحفيين والسيد مسعود الرمضاني رئيس اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحوض المنجمي.

وفي ختام الندوة صدر الإعلان التالي:

تحل الذكرى الثالثة والخمسون لإعلان الجمهورية في ظرف يتسم بالانغلاق السياسي وانسداد الأفق الاجتماعي وباشتداد الشعور بالحيرة إزاء المستقبل،

فالانتخابات الرئاسية والتشريعية لشهر أكتوبر الماضي، كالانتخابات البلدية التي تلتها، جرت جميعها في مناخ من مصادرة حرية الترشح والتعبير والاجتماع، وبإشراف إدارة متحزبة ومنحازة، ووفق قانون انتخابي جائر، فجاءت عنوانا لتواصل الإقصاء والاحتكار واستمرار الحكم الفردي والرئاسة مدى الحياة، ولهيمنة الحزب الحاكم كليا على المجالس التمثيلية. وأكدت نتائجها مرة أخرى مدى تعطل وظائف النظام الجمهوري وعجز مؤسساته الدستورية عن القيام بدورها في مراقبة القائمين عليها ومساءلتهم من قبل الشعب وممثليه المنتخبين، ولتفتح على استحقاق دستوري جديد تفرضه نهاية الولاية الخامسة للرئيس الحالي، ولتضع هذا النظام الجمهوري، على علاته، تحت خطر ترسيخ الرئاسة مدى الحياة وإرساء آلية للخلافة لا دخل للشعب فيها.

وعلى الرغم من النسب الخيالية التي منحها الحكم لنفسه، خلال تلك الانتخابات، فقد واجه منتقديه في الداخل والخارج بحملات صحفية هوجاء، وجنح إلى استهداف الصحفيين بملاحقتهم وإحالتهم على القضاء، فكان ذلك شاهدا إضافيا على محاصرة حرية النقد والتعبير وتوظيف القضاء لمصادرتها. وتأكد هذا النهج المتشنج حينما استصدرت الحكومة قانونا جديدا لمصادرة حرية التعبير وتعقب المعارضين السياسيين والنشطاء الحقوقيين، من أجل مزيد تضييق الخناق عليهم.

وفي سياق النهج نفسه شكلت المفاوضات التي دارت بين الحكومة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بدورها، شاهدا على إمعان الحكومة في الإبقاء على الأزمة المزمنة والمفتعلة التي تعيشها هذه المنظمة الحقوقية للسنة العاشرة على التوالي، وعلى محاولاتها إخضاع منظمات المجتمع المدني إلى سلطتها ومنع نشاطها المستقل، عن طريق تقسيم صفوفها ومحاصرة مقراتها وتوظيف أجهزة الأمن والقضاء في سبيل ذلك، وهو عين ما تعرضت له النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين هذا العام وقبلها جمعية القضاة التونسيين، إضافة إلى استهداف مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس الذين مازال عدد منهم يقبع في السجون.

وما انعقاد هذه الندوة بين جدران مقر الحزب الديمقراطي التقدمي، في ظل ما يُسلط على أنشطته من مراقبة ومحاصرة، سوى شاهد آخر على ما تتعرض له حرية الاجتماع من تضييق وحصار، وعلى إيصاد الدور العمومية في وجه كل عمل مستقل أو معارض.

وتأتي هذه الذكرى الثالثة والخمسون لإعلان الجمهورية والبلاد تعاني من استفحال آفة البطالة وانتشارها بين صفوف خريجي الجامعات، ممّا يؤكد فشل السياسات الاقتصادية المتعاقبة في دفع الاستثمار بالنسق المطلوب، وعجز مؤسسات الإنتاج عن استيعاب اليد العاملة الماهرة ويبرهن على عدم التلاؤم بين ما تنتجه المؤسسة التعليمية وما تتطلبه سوق الشغل، في ظل إستراتيجيا راهنت على تصدير بضاعة ذات قيمة مضافة منخفضة، تنتجها يد عاملة محدودة المهارة وبخسة الأجر.

وتأكد فساد هذا الاختيار بمناسبة الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة التي كشفت مدى اعتماد اقتصادنا الوطني على الموارد الخارجية وبالأساس التصدير والسياحة وعائدات المهاجرين. غير أن الحكومة لم تول انتباها إلى ضرورة مراجعة هذه السياسات وظلت تعالج آثارها عبر إجراءات جبائية ومالية ظرفية. وأدت هذه السياسة التنموية إلى بروز استقطاب اجتماعي مخيف: بين قمة محدودة العدد تُراكم الثراء الفاحش بالاستفادة من التسهيلات البنكية والضريبية، وقاعدة عريضة تكابد البطالة والخصاصة وترزح تحت وطأة التداين الأسري وتآكل الطاقة الشرائية، وبين جهات ظفرت بما تحقق من استثمار خلال العقود المنصرمة وعمق ظل يعاني الفقر والتخلف والحرمان.

واقترن الاستبداد السياسي باستشراء الفساد الذي يتجلى في تكديس الثروة عن طريق استغلال النفوذ من جهة، وفي استفحال الرشوة والمحسوبية في العلاقات العامة، من جهة أخرى، والتي كانت من آثارها الإنتفاضة المشهودة لأهالي الحوض المنجمي سنة 2008.

إن تونس تقف اليوم أمام تحد دستوري جديد يضع البلاد أمام مفترق طرق: فإما القبول بتحوير الدستور مرة أخرى قصد تمكين الرئيس الحالي من ولاية سادسة على طريق الرئاسة مدى الحياة، مع إمكانية إحداث آلية للخلافة تتنافى مع ما بلغه الشعب التونسي من نضج، أو التوافق على إحداث إصلاح دستوري شامل يفتح الطريق أمام التداول السلمي على الحكم والانتقال إلى الديمقراطية.

والندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية، المنعقدة هذا اليوم 10 جويلية 2010، بدعوة من الحزب الديمقراطي التقدمي وبحضور عدد من ممثلي الجهات ومن الشخصيات الوطنية تعلن استعدادها الكامل وتجندها لتحمل أعباء هذا الاستحقاق وبذل كل الجهد لفتح طريق الانتقال إلى الديمقراطية في بلادنا، بما يؤمن التداول السلمي على الحكم ويحمي أركان الجمهورية ويجنب البلاد أخطار التردي في مستنقع الحكم الوراثي المطلق.

إن فتح هذا الطريق يفرض تعبئة كل القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني على اختلاف أصنافها حول ميثاق جمهوري يضمن:

1/ تحديد عدد الولايات الرئاسية بدورتين لا غير





2/ إقرار حرية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بإلغاء كل الشروط المجحفة المُعطلة لهذا الحق 3/ الفصل الفعلي بين السلطات بما يعيد للهيئة التشريعية ومؤسسة القضاء دورهما في إحداث التوازن والمراقبة المتبادلة بين السلطات، ضمانا للحرية. 4/ انتخابات حرة ونزيهة بإشراف هيئة مستقلة وتعددية ومحايدة ووفق قانون عادل يضمن التنوع في الهيئات التمثيلية. 5/ حرية الإعلام والصحافة والإبحار على الانترنت 6/ حرية الاجتماع والتجمع وتأسيس الأحزاب والجمعيات 7/ سن قانون للعفو العام يفرج عن كل المساجين السياسيين ويعيد لكل من تعرض للتتبعات من أجل نشاطه أو معتقداته السياسية حقوقه المدنية والسياسية كاملة غير منقوصة.

إن تحقيق أهداف هذا الميثاق يقتضي توحيد كل قوى التغيير في العمل الميداني. وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن النخبة السياسية متوافقة على ملامح وأركان النظام الجمهوري البديل، مثلما تجلى ذلك من خلال الحوارات المبدئية التي أجرتها هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، والتي تواضعت من خلالها المكونات العلمانية والإسلامية للمعارضة على حرية المعتقد وعدم التمييز بين المواطنين على أساس العقيدة أو الجنس، وعلى تمسكها بمكتسبات المجتمع التونسي في مجال تحرير المرأة وضرورة تعميقها بما يتفق والمعاهدات الدولية في هذا المجال، وعلى الطابع المدني للدولة التونسية وعلى أنه لا تعارض بين هذه الأبعاد الحداثية وهوية البلاد العربية الإسلامية التي تعمل الدولة على رعايتها.

لذلك فكل تقسيم لقوى المعارضة اليوم على أساس مذهبي أو ثقافي مضر بقضية التغيير، لا سيما أن التمايز المذهبي والثقافي المشروع لا يتعارض مع مقتضيات التوحد حول متطلبات المرحلة ولا يبرر الإقصاء، فالتمايز لا يكتسب معناه إلا إذا فتح على برامج وخيارات اجتماعية متباينة وعلى منافسة متكافئة تكون فيها للرأي العام الكلمة الفصل عبر انتخابات حرة ونزيهة.

والندوة الوطنية حول مستقبل الجمهورية تعلن أن تعبئة الرأي العام وتكتيل قواه الحية في وجه السياسات الحكومية هو السبيل الوحيد لتعديل موازين القوى وفتح طريق نحو الإصلاح، وهو سبيل لا يستثني الحوار مع الحكومة، لكنه لا يراهن عليه اليوم لانعدام شروطه. وأثبتت كل الأحداث الماضية، ومنها الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، أن الحكومة ترفض نهج الحوار مع الأطراف المستقلة عنها ولا تقبل سوى العلاقات الزبائنية التي تبادل الولاء بالعطاء.

إن التحديات التي تواجه البلاد ضخمة وجسيمة وتتطلب تصويب الجهد نحو هدف الإصلاح والتغيير الذي لا هدف سواه، لذلك فإن الندوة تمد يدها إلى كل القوى الراغبة في رفع هذا التحدي، وفي مقدمتها قوى الشباب بناة الحاضر وصناع المستقبل، لنحت مصير تونس معا.

تونس في 10 جويلية 2010

طلبة خلف القضبان (4) :
زهير الزويدي

الاسم واللقب: زهير الزويدي [1] من مواليد 1980 بمدينة قفصة.

الصفة: طالب جامعي مرحلة ثانية تاريخ وعضو مكتب فيدرالي للاتحاد العام لطلبة تونس بكلية الآداب بمنوبة.

العقوبة: عام وأربعة أشهر بالقضايا عدد 17786 و18606 و18607 و49957.

حيثيات القضية: بتاريخ 16 أكتوبر 2009 ولدى خروجه من مبيت البساتين، أوقف الطالب زهير الزويدي الناشط في الاتحاد العام لطلبة تونس ونسبت له تهم (هضم جانب موظف والاعتداء على الأخلاق والسكر). وقد أحيل على محكمة الناحية بمنوبة وصدر حكم يقضي بسجنه لمدة 9 أشهر وثبّت الحكم في الطور الاستئنافي يوم 21 ديسمبر 2009. وأمام المحكمة نفى الزويدي جملة التهم المنسوبة له وأكد أن القضية ملفقة وأن الشاكي شخصية وهمية وقدّم محاموه شهادات كتابية من طلبة يؤكدون أنه أوقف من أمام المبيت الجامعي أثناء فترة الاعتصام إلا أن المحكمة لم تلتفت إلى تلك الشهادات ورفضت التحرير على الشهود كما رفضت استدعاء الشاكي لمكافحته به. ومن ثمّ تم إدراجه في ثلاث قضايا أخرى في ما أصبح يعرف بملف "طلبة منوبة" ووجّهت له تهم من قبيل السرقة والاعتداء على الأخلاق الحميدة والاعتصام وتعطيل حرية الشغل والتهديد وإحداث الهرج والتشويش والإضرار بملك الغير وقد صدر في حقه حكم إبتدائي يقضي بسجنه سنتين وشهرين بالإضافة إلى 9 أشهر في القضية الأولى وقد خفف مجموع الأحكام في الطور الاستئنافي إلى عام وأربعة أشهر.

الاستنطاق: وسط إجراءات أمنية مشددة متمثلة في ضرب طوق أمني حول قاعة المحكمة، انطلقت جلسة الاستئناف برئاسة القاضي محمد علي بن شويخة المنعقدة صباح يوم السبت 17 أفريل 2010 .وخلال استنطاقه، ذكر زهير الزويدي أن نشاط الاتحاد يكتسي صبغة نقابية وأن حق السكن الجامعي أصبح خاضعا لقانون السوق وأكد أنه بمعيّة رفاقه حاولوا إسكان الطالبات بالتفاوض مع الإدارة كما حاولوا تحسين الأكلة إلا أن الوضع بقي على حاله وأضاف أنهم نقابيون ولم يرتكبوا أيّ تجاوزات وإلا كانوا أحيلوا على مجالس التأديب لأن اتحاد الطلبة هو مدرسة للنضال وقد اتبعت السلطة تجاههم الخيار الأمني وتم إيقاف المناضلين وأجبروا على إمضاء محاضر بحث جاهزة وقد حرموا من اجتياز الامتحانات وهم معزولون عن بعضهم البعض ويعاملون معاملة العبيد.

سوء المعاملة: أكدت عديد المنظمات الحقوقية تعرّض زهير الزويدي إلى سوء المعاملة فهو يتعرّض باستمرار إلى استفزازات من أعوان السجون وهم يتعمّدون إخراجه بمفرده أثناء الفسحة اليومية حتى لا يقابل أو يتحدث إلى بقية السجناء كما عمدوا في الفترة الأخيرة إلى استفزاز زهير بواسطة عبارات نابية وتوجيه الشتائم إلى إحدى محامياته وقد نقل إلى غرفة بها 112 نزيلا بعد أن كان يقيم بغرفة بها 7 نزلاء فقط وذلك عقابا له إثر إثارته لموضوع ظروف السجن أمام المحكمة في الجلسة الأولى وقد تظلم زهير إلى إدارة السجن.

التعذيب: خلال السنة الجامعية 2008/2009 وعلى خلفية نشاطه النقابي بكلية الآداب بمنوبة وبعد تثبيت الحكم الابتدائي في حقه وحق أنيس بن فرج القاضي بسجنهما لمدة أربعة أشهر أفادت الجمعية التونسية لمقاومة التعذيب أن زهير الزويدي تعرّض إلى التعذيب بعد أن شن إضرابا كاملا عن الطعام صحبة رفيقه أنيس بن فرج للمطالبة بإطلاق سراحهما من سجن المرناقية..

وتفيد المعطيات أن الزويدي قد تعرّض للتعذيب البدني والمعنوي والعنف الشديد من طرف أعوان السجن لإرغامه على حل الإضراب طيلة الأيام الستة، وقد نقل فيما بعد للمستشفى أين اكتشف إصابته بقرح المعدة وهو ما جعله يعلق الإضراب فتم نقله إلى السجن المدني بقفصة أين تم إطلاق سراحه بموجب إطلاق سراح شرطي.

الحالة الاجتماعية: بسبب الظروف الاجتماعية القاسية لعائلته، ولإيمانه الشديد بالنضال صلب المنظمة الطلابية يضطر زهير الزويدي إلى العمل ليلا لتوفير مصاريفه الجامعية والذهاب صباحا لتأطير التحركات الطلابية بكلية الآداب بمنوبة ولكن كثرة التضييفات والسجن زادت من تأزم وضعيته، فهو يحرم اليوم من مواصلة دراسته كما حرم العام الفارط من الترسيم بالكلية.

[1] سلسة "طلبة خلف القضبان" تصدر بجريدة الموقف أسبوعيا، قصد مزيد التعريف بقضية طلبة منوبة نعيد نشر عدد منها.